
... و قد ارتبطت الحركة الصهيونية بعوامل أخرى شهدها العالم، لا سيما أوروبا و العالم الإسلامي، كتطور الرأسمالية و الحركة العلمية و الصناعية في أوروبا و تراجع العالم الإسلامي، و ظهور النفط في عدد من دول العالم الإسلامي و في المشرق العربي على الخصوص و ظهور قوة الولايات المتحدة الأمريكية.
و كذلك الشيوعية و تكون الاتحاد السوفياتي و صراع الشرق و الغرب. فهذه و غيرها دوافع مهة أنشأت و نمت الحركة الصهيونية فضلا عن عاملها الذاتي المتمثل في اليهود. و هناك عوامل أخرى مسرعة كحركة الاستعمار و ظهور النازية في ألمانيا. أما اليهود فقد كان لهم وضع مؤثر في أوروبا و أمريكا، و كذلك أشكال تواجدهم في بلدان العالم الأخرى، بحيث أن الأمر لا يدعو إلى ارتياح بوضعياتهم، فقد استطاعوا أن يؤثروا في الديانة المسيحية و أسهموا في تأسيس المذهب البروتستانتي لحمل عدد كبير من النصارى على التخلي عن المذهب الكاثوليكي، و كان لهم حضور فعال في الثورة الفرنسية و في الثورة البلشفية. و استفادوا جيدا من الحربين العالميتين بل كانت لهم أدوار في وقوعهما، و في الأزمة الاقتصادية لعام 1929م. و قد كانت لهم أدوار في نشوء و انتشار الشيوعية في العالم الثالث و في الأفكار الاشتراكية. و كان لهم تغلغل قوي في مختلف المؤسسات الفاعلة و المهيمنة في الولايات المتحدة الأمريكية كمجلس الكنغرس، و أطر الحزبين الجمهوري و الاشتراكي و حاشية الرئيس. و في مجال الإعلام بجميع أشكاله و في المجال السينمائي.. و قد كان لهم تواجد سياسي في حكومات بريطانيا و فرنسا و النمسا و إيطاليا و روسيا و في أحزابها. و تغلغل اقتصادي في هذه الدول بالإضافة إلى ألمانيا و سويسرا ثم كندا و الأرجنتين و جنوب أفريقيا. و بعض الدول أصبحت تكاد تكون دولا يهودية من فرط تأثير اليهود فيها، منها هولندا و لوكسمبورغ.. هذه الوضعيات و غيرها مثلها و أقوى منها تعطي صورة على أن اليهود كانوا في أغنى ما يكونون من دواعي الحركة الصهيونية و ادعاءاتها لأجل إنقاذهم أو للدفاع عنهم. و لكن بعض الرواد كانت لهم دوافع قومية جامحة و شغف بالزعامة و القيادة، و آخرون يتحركون بنزعة دينية توراتية و حوافز تلمودية و شعارات تاريخية كشعب الله المختار و أرض الميعاد و هيكل سليمان و دولة إسرائيل و جبل صهيون... و قد اشتهر من هؤلاء الرواد موسى هس و اليهودي الروسي بانسكر و الصحافي المجري النمساوي تيودور هرتزل و الروسي جابوتنسكي و عائلة روتشيلد المصرفية و حاييم ويزمان.. و قد استغل هؤلاء الرواد حادث محاكمة اليهودي الفرنسي داريفوس بتهمة الخيانة الوطنية و العمالة لألمانيا، لإثارة مشاعر اليهود و حملهم على دعم أول مؤتمر رسمي علني عالمي لليهود لتدارس القضايا اليهودية بمدينة بازل بسويسرا عام 1987م.
يتبع
ذ. عبد الوهاب الفغري
إقرأ أيضا :
الحركة الصهيونية خلال القرن العشرين - الجزء الأول















