
و قد مثل اليهود الشعب ذا الخصوصيات التي لا توجد أو قلما توجد في شعب آخر: فهم شعب الشتات و الارتباط بالفكرة الواحدة، شعب الخروج الجماعي القسري و العبور الجماعي و الدخول الجماعي من أرض أو عبر أرض أو نهر أو جبل أو بحر، إلى أرض أخرى بها أهلها من الساكنة. و هم الشعب الذي تعرض عبر التاريخ للتنكيل و التعسف بأشكال مختلفة، لكنه أيضا الشعب الذي يظلم و يتعسف أكثر من غيره كلما تمكن، و هو الشعب الذي يرضى بالذلة و المسكنة و القهر، لكنه يضمر الحقد و الضغينة و الاحتقار للآخر. و هم شعب الرذائل المتنوعة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، فحيثما حلوا تشيع الفاحشة و الخمور و مشتقاتها و الربا و الفساد و الاستبداد... و قد كان القرآن الكريم بيّنا دقيقا في أوصافهم، فمن قوله سبحانه و تعالى في شأنهم: "و إذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب" سورة الأعراف، الآية167. فقد لاقوا في تاريخهم عسف و جبروت فرعون و جالوت و بختنصر و عموم الفراعنة و العمالقة و الآشوريين و البابليين، و تيتوس و أدريان الرومانيين، و بطش قياصرة روسيا و حكام أوروبا و ستالين و هتلر ثم صدام حسين.. و قد خرجوا بجموعهم من مصر و من فلسطين و من شبه جزيرة العرب و من العراق ثم من ألمانيا و من روسيا. و في مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير تصوير لطبيعة اليهودي البخيل المخادع الحقود الخبيث الطوية. و قد أجلي اليهود من فلسطين على عهد الحاكم الروماني أدريان في القرن الأول بعد الميلاد فتشتت عدد منهم في أوروبا. و قد تكونت في أوروبا نزعات نفور و ممانعة من قبل المجتمعات لاعتبارات متعددة. فقد سبق في الأندلس عند سقوط الحكم الإسلامي بها أن اتخذ ملك إسبانيا إجراء بحق اليهود أيضا يقضي بتنصيرهم أو إخلائهم الأندلس.فآوى العالم الإسلامي من ارتحل منهم حيث حل عدد كبير منهم بالمغرب. و أصدر الملك الإنجليزي إدوارد الثاني مرسوما يحرم على اليهود دخول إنجلاترا. و قد أصبح مفهوم "اللاسامية" المتداول بين اليهود و عند الأوروبيين مصطلحا يدل على اضطهاد اليهود في أوروبا، و إن كانت السامية تشمل العديد من الشعوب الشرقية و ليس اليهود فحسب. وقد بدأت بعض الفعاليات اليهودية تتحرك لمواجهة هذه النزعة و لإيقاظ الضمير اليهودي و بعث شعور الوحدة. و قد كان موسى هس في أوساط القرن التاسع عشر الميلادي أبرز رواد هذا التحرك، فقد كان الباعث الأول للحركة الصهيونية الحديثة.
ذ.عبد الوهاب الفغري
يتبع















