موقع حماة الأقصى المغربي - قضية فلسطين بعيون مغربية

فجر جديد

أرسل إلى صديق طباعة

هكذا وككل صباح وأنا أرشف بضع رشفات من كوب القهوة السوداء, أطل من نافذة غرفة نومي على منظر الشمس في أول لحظة بزوغ لها.


صوت السيدة جوليا المنبعث من المسجلة وهي تغني , كان يشعل بداخلي نارا ملتهبة , تحرك جميع الأفكار الجامدة بداخلي , وتحولها الى قطرات الندى تسري داخل جسمي كوردة حمراء بلون الثورة.

ثورة ضد الضعف والاستسلام , ضد الحقد والكره , ضد الأنا الذي يجعل كل واحد منا لايعرف معنى شروق الشمس عند بزوغ فجر جديد على هذا العالم.

تبزغ الشمس , يصحو النيام , وتبدأ الحركة, يغص الشارع , تمتلئ الاوتوبيسات , والمدارس والمعامل والمتاجر والدروب الضيقة , كل واحد في اتجاه , منهم من يأخذ الاتجاه يمينا ومنهم من يأخذه يسارا , ومنهم من يقف في الوسط .

أحاديث مختلفة لكن اللغة واحدة.

الاختلاف لايهم , لكن مايهم هو أن يكون هذا الاختلاف لأجل هدف واحد .

جميلة هذه القاعدة , لكنها بعيدة كل البعد عن اولئك المختلفين , فما يختلفون فيه لايمت بأي صلة نحو تحقيق ذلك الهدف.

قد نختلف في توجهاتنا السياسية وتعاملاتنا الاجتماعية وفي تطلعاتنا المستقبلية . وفي كثير من غير هذه الأشياء, لكن مايجب ألا نختلف فيه , هو أن لنا أرض حبها يكبر بداخلنا كلما ازداد العمر , فتكبر بداخلنا القيم النبيلة نقدمها كاكليل من الورد لكل الحالمين بالحرية داخل الأوطان.

ليست الحرية من المستعمر المستبد فقط , وانما الحرية من كل الأشياء التي تقيد بداخلنا قيم الحب , وتطفئ قيم الكراهية و الشر.

أكملت شرب القهوة وأقفلت النافذة ثم اوقفت المسجلة وغادرت المنزل.

كان اليوم ممطرا شديد البرد, ورغم قسوة الجو البارد , الا أنني كنت أحس بالدفئ رغم أنني لم أكن ألبس ملابس ثقيلة. خطوت عابرة كلها ثقة, ربما لأن ما سوف أدرسه اليوم لتلاميذ الصف , هو بداية جديدة من أجل أن نعمل جميعا كي نجعل الفجر الجديد , هو انطلاقة حقيقة من أجل استنشاق أريج جديد لتلك الأرض .

هو ماكان يجعلني أشعر بالدفئ.

الحافلة كعادتها لاتجعلك تلنزم بالمواعيد , فهي كل يوم لها توقيت معين. كنت كل مرة أبعث لسائقها نظرة تعصب على الحال أخبره فيها بأني على استعجال من أمري.

وهكذا الى أن وصلت الى عين المكان , وقبل أن أصل اليه بضع خطوات , استعمر أذناي صوت طفولي منبعث من المكان الذي أتجه اليه يردد تحية العلم , صوت لايعرف معنى للحقد والكره , صوت بريئ براءة الطفل الرضيع وهو يرضع ثدي أمه .

دائما أصر أن أشارك الجميع في ترديد تحية العلم , هذه المرة تأخرت الحافلة , فتأخرت بدوري , وحرمت نشوة الاحساس الذي كان يخالجني وأنا أردد التحية .

اتجهت مباشرة الى فصل الدرس , ارتديت الوزرة , وكتبت تاريخ اليوم , ثم بدأ التلاميذ يدخلون حجرة الدرس واحدا تلو الاخر.

رن جرس بدء حصة الدرس , أقفلت باب الحجرة ثم رسمت على السبورة صورة الشمس وقبة القدس.

ثم طرحت السؤال على التلاميذ , متى تظنون أنه سوف تشرق الشمس من جديد على قبة القدس , لم يجب أحد , فقلت دعني أنتظر قليلا , عاودت طرح السؤال من جديد , فأجابني صوت قادم من أخر مقعد في الحجرة, قال: أيتها المعلمة , الشمس تشرق كل يوم في القدس , ونحن الذين لانراها لأن عيوننا من كثر ما شاهدت ما يتعبها ويؤلمها , بدأت ترفض أن تفتح وخاصة لحظة شروق الشمس ,لأن هذه الشمس توقظ بداخل أصحابها صوت الحياة بعدما اخرسته حلكة الليل.

وبعد نقاش طويل , رن جرس انهاء حصة الدرس , خرج التلاميذ , خلعت الوزرة , وخرجت دون أن أمسح من على السبورة تاريخ اليوم وصورة الشمس وقبة القدس.

وعدت في نفس الحافلة لأقف عند نفس تلك النافذة في غرفة نومي , أشعلت المسجلة , وأخذت كوبا من القهوة السوداء , ولكن هذه المرة تحولت الشمس الى ليل أسود كئيب , سواده يوقظ بداخلي العالم والأحزان , وهدوءه اعصار يقلب كل احساسات الصباح .

أقفلت النافذة والمسجلة ووضعت كوب القهوة السوداء جانبا.

وجلست انتظر اطلالة فجر جديد , شمسه تحمل أسمى القيم لدى كل الساكنين هذا العالم , قيم الحب , وأعظم ماقد تعيشه البشرية تحرير القدس.

 

نادية بن مسعود

حماة الأقصى

 

التعليقات (0)
علق
تفاصيل بياناتك:
تعليق:
:D:angry::angry-red::evil::idea::love::x:no-comments::ooo::pirate::?::(
:sleep::););)):0
الحماية
من فضلك أدخل كود منع الرسائل المزعجة الموجود على الصورة.