موقع حماة الأقصى المغربي - قضية فلسطين بعيون مغربية

الدعاء والأسباب .. طريق نصرة غزة

أرسل إلى صديق طباعة

عجيب أمر هذا الدين ....
إنه يرتقي بالمؤمن عن قصوره البشري في النظر والفهم وتشخيص الظواهر والحوادث ، إلى النظر الشامل العميق الذي يتيحه له كلام الله المعصوم، الذي كان ولا يزال يسدد خطى من تمسك به ، حبلا ممدودا من رب السماء ، والذي بات المنظار الوحيد ، الذي من خلاله، يتطلع المؤمن إلى حقائق  الامور وبواطنها، بعيدا عن كل ماهو سطحي أو جزئي.

إن الانسان في هذه الحياة يعيش وفق جملة من النواميس و القوانين الثابثة التي وضعها الله عز و جل لصلاح الحياة على الارض ، و هو يألفها إلفا كبيرا ، لكأنها موجودة بذاتها ، مؤثرة بقوتها، فليس من المعقول لدى الانسان أن تتخلف الشمس يوما عن الشروق، أو تنقطع الرياح عن الهبوب ، أو أن يعيش  السمك بدون ماء ، أوأن يطير ابن آدم بذاته في الهواء .

لكن، هذا في عقيدة الإسلام، كله ممكن:

-   لقد تفجر الحجر بالماء يوم استسقى موسى لقومه .
-   وانشق البحر له بضربة عصا كان يهش بها غنمه.
-   وولد عيسى عليه السلام من غير أب.
-   وامتنعت النار عن إحراق إبراهيم عليه السلام.
-   وتكلم أطفال في المهد قبل أن يفهموا ما الحياة.

نعم …

كل هذا ممكن ، إذا أراده الله تبارك وتعالى ، وهذا من صميم معتقد ديننا.
ونظرة قرآنية لقضية النواميس و القوانين تترفع بالإنسان المؤمن عن نظره البشري المادي، إلى نظر أصوب و أقوم: " النظر القرآني"
وهكذا تصبح نواميس الكون ، قواعد جعلها الله مطردة للدلالة عليه، إذ أن السبب يدل على المسبب، ولا يمنع اطرادها مشيئة الله إذا أرادت تعطيلها لحكمة ربانية، و هذا يؤسس لنظرة قرآنية لقضية الاسباب، تعتمد على أربع قواعد:

1-    أن الله أودع في الاسباب قوة وأثرا، لا يمتنع عليه تعطيله متى شاء .
2-    أن مقدار النتائج و الآثار لا تترتب فقط على قدرة الاسباب على التأثير، ولكن على تقدير الله عز وجل لهذا الاثر.
3-    أن الله عز وجل يوجد الآثار و النتائج في كثير من الأحيان دون وجود أسبابها.
4-    أن الله عز وجل يوجد آثارا و نتائجا انطلاقا من أسباب غير مفهومةعقلا، و غير معقولة معنى.
وكمثال على القاعدة الرابعة :
ترتب نتيجة " الزيادة في الرزق على سبب صلة الرحم، دون وجود ارتباط مفهوم و معقول بينهما، لقول النبي صلى الله عليه و سلم: "صلة الارحام ، تزيد في الرزق و تنسئ في الآجل "
وبتنزيل هذا التصور لقضية الاسباب على منهج تحقيق النصر و التمكين للإسلام، نتبين الآتي:

-   أن الله عز و جل جعل للنواميس و القوانين المطردة أثرا في نتائج المعارك المختلفة مع قوى الباطل :
فقد أمر بإعداد العدة المستطاعة:
-    من بناء لرجال الامة
-   وتهييء للقوة العسكرية المتاحة
-   وتحركا من أجل فهم الواقع وجمع المعطيات و البناء عليها
-   و من عمل استخباراتي و إعلامي و دعوي و...

وقضى قاعدة جليلة تعتبر الشرط الاول في معادلة الانتصار :

أن يستفرغ الصف الاسلامي " الوسع" في بذل الاسباب المعقولة و المفهومة لمواجهة دفاع الباطل.

أما الشرط الثاني فهو تحقق الايمان بالله عز وجل في الصف الاسلامي إيمانا متجليا في :
-   عقيدة راسخة
-   وقول مقر
-   وعمل يصدق هذا و يؤكده.

و الذي يهمنا من هذا التأصيل في هذا المقام هو الشرط الاول ، شرط استفراغ الوسع في اتخاذ الاسباب المعقولة و المفهومة.

و العجيب :
أن النظرة القرآنية تتيح لك لمح نوع من الاسباب ، غير مرتبط تماما بنواميس الكون  المفهومة و المعقولة، لكنها تولد أثرا ما بعده أثر، ومن بين هذه الاسباب: الدعاء.

إنه مخ العبادة ، وقناة الاتصال بالكبير المتعال ، وشعيرة الخضوع التام و الذل الكامل ، كما هو ذخيرة لا تنفذ وقذيفة ( إن استكمل شروطه) لا تخطئ.

ومنطق الدعاء في الاسلام هو حتمية الاستجابة من الله. مع تعدد أوجه هذه الاستجابة:
-   إما تلبية للطلب و المسألة
-   و إما تأخر لها لحكمة ربانية.
-   وإما إبدالها أجرا و ثوابا أو رفع إثم و عقاب
-   وإما استجابة على غير الوجه المطلوب.
وسبحان الله ، شاء تقدست أسماؤه، أن يترك في حياتنا جانبا غير معقول: مرتبطا بعالم ليس في وسع الانسان تطلعه، وهو عالم الغيب.

وهذا ابتلاء منه لمستوى الايمان ، و الاعتقاد، الذي يوصِّف القرآنُ كماله في " الايمان بعالم الغيب الى جانب عالم الشهادة:  " الذين يومنون بالغيب و يقيمون الصلاة".

يالها من حكمة.

لكنَّ هذا السبب( الدعاء) بقدرته الكبيرة على توليد التنائج ، لا يتحقق إلا بشروط. و شرطه الأهم بعد: أكل الحلال، و حضور القلب ، وعدم الدعاء بالإثم أو قطيعة الرحم،أن يتوفر عنصر الصدق عند الداعي.
و الصدق في هذا المقام هو استفراغ الجهد في السبب المعقول ، قبل طلب غير المعقول.
ولأدلل على ذلك ، سأقول : 
إن طلب الاستعانة بالله عز و جل و دعاءه، دون اتخاذ الاسباب و الوسائل المسخرة منه عز و جل، هو سوء أدب مع الله عز و جل.
و يستحيل تمكين أمة الاسلام و نصرتها من قبل الله عز و جل، قبل أن تخطو خطوات إليه باتخاذ ماسخر لها من وسائل:
•    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }محمد7
•    {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }التوبة14
•    {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ... }الأنفال60
هذا قضاء الله و هذه سنته.
" أُصْدُق فيما أنت مُمَكَّن فيه يُسخَّر لك مالم تكن ترجوه."

ولما صدق الرعيل الاول، عند غزوة بدر، في إعداد العدة المتاحة، و جمع المعلومات و تهييء الخطة الحربية، و اختيارموقع المعركة... إلخ.
لما استفرغوا جهدهم في إتخاذ ما أمكن من الاسباب ، تفرغوا للدعاء بعد ذلك، ليسخر الله لهم:
•    النعاس أمنة.
•    و الملائكة جنودا
•    و الرعب في قلوب أعدائهم
•    و المطر بشارة لهم
و ماكانوا يحتسبون ذلك، و لكنها سنة الله.

ولاحظوا هذا المعنى :
إن الدعاء إذا توفرت شروطه، في كل و قت يُستجاب له، لكنه تبارك وتعالى ميز أوقاتا عن غيرها، تكون أدعى للإستجابة :
•    دعاء الصائم عند فطره .
•    ودعاء الواقف بعرفة.
•    و دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب.
•    ودعاء الفجر و الثلث الاخير من الليل
•    و دعاء السجود خلال الصلوات.

و غيرها كثير ، و القاسم المشترك بين هذه الحالات كلها جلي و واضح : " أن الداعي فيها يكون أقرب إلى الصدق و الاخلاص منه في غيرها ".

وهكذا يتبين أن معادلة الصدق في الدعاء:
•    الصدق في اتخاذ الاسباب المتاحة، باستفراغ الوسع فيها.
•    الصدق في الإعتقاد بأن الاسباب وحدها لا تُحْدِث تأثيرا على الارض، إلا أن يأذن الله بذلك.
•    الصدق في الإيمان بأن اليقين في الله، يُوجِد فعلا إلهيا لا يحتسبه العبد، و لكنه ينتظره و يوقن به لأيمانه بالغيب و الشهادة و ليس الشهادة فقط.

وأمام أحداث غزة، فعليا،
نقول :
على المسلمين استفراغ الجهود فيما ما هو ممكن على حسب إمكانية كل شخص باعتبار منصبه، أو منبره، أو عمله، أو كفاءاته، أو بلده أو غير ذلك...
فكل ذلك شاهد عليه إذا قصّر في نصرة غزة.
فمن استطاع الضغط فليضغط،
ومن أمكنه الله من و سائل التكنولوجيا فلا يبخلن على نفسه بالأجر.
ومن متعه الله بسعة رزق، فليتبرع.
ومن كان إعلاميا، فهو على ثغر لا يعلم قدره إلا متبصر بمنهج الله.

ثم:
من أكرمه الله بالقتال المباشر للصهاينة فليعد لهم ما استطاع، وليخطط للكمائن و الافخاخ وليراقب تحركات العدو ويقرأها، و ليوقع أقصى الخسائر به.
وليضرب بيد من حديد على خذ الصهيوني الغاصب ضربة تنوب عن الامة في قوتها وضراوتها.
فإن الله اصطفاه لهذا واختاره،
ثم ليجتمع كل أولئك على دعاء الله ليل نهار، لإحلال الانتصار، ولينظروا إلى الكريم المجيب كيف يكرم عباده إذا صدقوا.

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }النور55
حماة الأقصى
التعليقات (0)
علق
تفاصيل بياناتك:
تعليق:
:D:angry::angry-red::evil::idea::love::x:no-comments::ooo::pirate::?::(
:sleep::););)):0
الحماية
من فضلك أدخل كود منع الرسائل المزعجة الموجود على الصورة.