مفهوم السلام في الإسلام

{يا َأيها الَّذِين آمنوا ادخُلوا فِي السْلمِ كافًَّة ولا تتبعوا خطواتِ الشيطانِ}
إن السلام مبدأ من المبادىء التي عمق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين، فأصبحت جزءا من كيانهم، وعقيدة من عقائدهم.
وورد لفظ السلام وما اشتق منه في كتاب الله العزيز في أربع وأربعين آية منها خمس مدنية والباقيات مكية ، في حين لم يرد لفظ الحرب إلا في ست آيات كلها مدنية ، وهذا يدل على أن اهتمام القرآن بالسلام كان يأتي في الدرجة الأولى مع ما في ذلك من إشارات إلى وضعية المسلمين قبل تأسيس الدولة في مكة وما تقتضي من صبر و مسالمة في انتظار قيام الدولة في يثرب وما يتطلب ذلك من قوة ومناعة.
قال الله تعالى:{ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم} أي إن مالوا إلى المسالمة و المصالحة والمهادنة فمل إلى ذلك واقبله منهم ، كما وقع لما طلب المشركون الصلح في عام الحديبية و وضع الحرب بينهم وبين رسول الله (ص) الذي أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط ...
ونبدأ بمفهوم الاسلام والايمان طبقا لمصطلحات القرآن ولغته الخاصة:
أ ـ ان كلمة الايمان في اللغة العربية وفي مصطلحات القرآن لها استعمالان :"آمن بـ"أي اعتقد في ،"آمن لـ"أي وثق و اطمئن ،ونشرحهما بايجاز :
1ـ آمن ب" أي اعتقد ،مثل قوله تعالي (آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله :البقرة 285) وآمن بـ بمعني اعتقد بالإيمان القلبي الباطني.
2- الاستعمال الاخر هو :( آمن لـ) أي وثق واطمأن واصبح مأمون الجانب يطمئن له الناس ويثقون فيه ،وتكرر هذا المعني في القرآن خصوصا في القصص القرآني ،ففي قصة نوح قال له المستكبرون (انؤمن لك واتبعك الارذلون :الشعراء 111)أي كيف نثق فيك ونطمئن لك وقد اتبعك الرعاع، وفي حديث القرآن عن احوال النبي محمد في المدينة (آل عمران 73 )(البقرة 75)ومواضع اخرى كثيرة . والايمان بمعني الأمن والامان والثقة والاطمئان هو بالطبع حسب السلوك أو التعامل مع الظاهر ،فكل من تأمنه وتثق فيه ويكون مأمون الجانب هو انسان مؤمن في مصطلحات القرآن ،اما عقيدته ـ ان كانت بوذية او مسيحية او يهودية او اسلامية –فهذا شـأنه الخاص بعلاقته مع ربه .والله تعالي هو الذي سيحكم عليك وعليه وعلي الجميع يوم القيامة .
(3) وقد جاء الاستعمالان معا لكلمة الايمان في قوله تعالي عن النبي محمد (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين :التوبة 61) أي يؤمن بالله اى يعتقد فيه وحده الها ،ويؤمن للمؤمنين أي يثق فيهم ويطمئن لهم .
والخلاصة ان الايمان في القرآن الكريم هو الامن في السلوك البشرى وفى التعامل مع الناس ،وكل انسان يامنه الناس ويثقون فيه يكون مؤمنا .ومعناه العقيدى أى في التعامل مع الله تعالي هو الايمان به وحده الاها لا شريك له , هو وحده الشفيع والولى والنصير والوكيل والمستحق وحده بالعبادة والتقديس ،والحكم علي هذا الاعتقاد الذي يختلف فيه الناس- مرجعه لله تعالي وحده يوم القيامة -والمهم ان يتعامل الناس فيما بينهم بالثقة والامن والامان …والسلام ..أي ان الايمان في الاسلام هو قرين السلام في التعامل مع الناس .
ب- مفهوم الاسلام يشبه مفهوم الايمان في القرآن له معني سلوكى أو ظاهري في التعامل مع الناس ،ومعني باطني ،قلبي ،اعتقادي في الأعتقاد أو التعامل مع الله .
والأصل في الإسلام هو السلام، فقد كادت الإمبراطوريات المختلفة أن تقضي على الحرث والنسل، قبل بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فاختار اللـه سبحانه وتعالى الإسلام حدباً عليها ورحمة بها وشريعة سمحاء لها، بعد أن اصطفى الرسول محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لأداء هذه المهمة المقدسة ونشر الرسالة الطاهرة المطهرة المتمثلة بنشر الرحمة والسلام للبشرية، يقول تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ}، فلم يعرف عن الإسلام أنه أعلن الحرب في العالم وهو في ذروة دعوته وانتشاره في أزهى عصور سيادته، إلا ما شرعه دفاعاً لدرء الخطر والذود عن النفس والعرض والمال والوطن عند الاعتداء على أحدها، من قبل المولعين بالعدوان، من أعداء الإسلام، أو حروب الدفاع عن المستضعفين الذين يرضخون تحت الظلم والعدوان، كما قال سبحانه: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللـه وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}، وهي حروب عقلانية إلى أبعد حدّ، ولم ير العالم قبل الإسلام ولا في هذا اليوم ولا في مختلف الحضارات حروباً أطهر وأرفع من الحروب الإسلامية، وذلك ما صرّح به وبنزاهتها حتى بعض علماء الغرب الذين يتحرّون الحقيقة ويقولونها، فإن الحرب قد لا يكون منها مناص عقلاً للدفاع عن الدعوة في مواجهة المعتدي والتصدي له، أو الدفاع عن النفس وما أشبه من أسباب مبررة ومسوّغة للحرب، ولذا فإن القاعدة في الإسلام هو السلام، والحرب استثناء ولا يكون إلا في أقصى حالات الضرورة، بينما نشاهد منذ أن أخذت الحضارة الغربية بزمام المبادرة، وتسنمت مقاليد الأمور اشتعل العالم بحروب دموية ضارية لا مثيل لها في التاريخ المكتوب، تجاوزت كل المعايير والقيم والمبادئ، وحسبنا شاهداً في هذا القرن الحربان العالميتان الأخيرتان ونتائجهما الوخيمة السيئة على البشرية إلى هذا اليوم، فمن الصحيح أن الحضارة الغربية أمدت البشرية بشيء من الرفاه والتقدم الصناعي وما أشبه ذلك، إلا أنه من الصحيح أيضاً والذي لا يقبل الريبة واللبس أنها دمرت البشرية بالحروب الكبيرة والثورات الفوضوية والفقر وأمثال ذلك.
ولم يبدأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقتل أحد من النصارى وغيرهم من الأديان وحتى المشركين، وقد أرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) رسلـه بعد صلح الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فأرسل إلى قيصر، وإلى كسرى، وإلى المقوقس، وإلى النجاشي، وإلى ملوك العرب باليمن والشام، فدخل في الإسلام من دخل من النصارى وغيرهم. وقد ذكر في التاريخ أن أول قتال بدء بين المسلمين والنصارى في الشام، وذلك لما عمدوا إلى قتل بعض من أسلم، فلما شرعوا بقتل المسلمين ظالمين أرسل رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) عسكراً إلى مؤتة، وهو أول قتال بين المسلمين والنصارى.
ومما تقدم يتبين بوضوح، أن الإسلام لم يأذن بالحرب إلا درءً للعدوان، وحماية للدعوة، وتصدياً للاضطهاد، والتماساً لحرية التدين، فإنها حينئذ تكون فريضة من فرائض الدين، وواجباً من واجباته المقدسة ويطلق عليها اسم الجهاد. ويستدل مما ذكر ومن الشواهد الكثيرة المذكورة في محلها على دور الإسلام العظيم في نشر الأمن والرخاء في أرجاء المعمورة وذلك من خلال الفتوحات الإسلامية وما كان لها من عظيم الأثر ورفيع العقبى في نشر السلام ونشر العلم والتقدم بين شعوب العالم.
يتبع
إعداد : بلال السنتيسي
















تونس - في الكون أرض .. في الأرض فلسط...
في الكون أرض .. في الأرض فلسطين .. ف...