موقع حماة الأقصى المغربي - قضية فلسطين بعيون مغربية

العجلة

أرسل إلى صديق طباعة

لو أتى النصر معجلا فانتظر الهزيمة.
ذكرت العجلة بجميع مشتقاتها في القرآن الكريم حوالي 19 مرة، منها ما أتى على سبيل الذم و يكون ملصوقا بالكفار و الظالمين، حيث يقول تبارك و تعالى: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) 54 سورة العنكبوت ، و في آية أخرى: (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) 16 سورة ص. و منها ما أتى على سبيل النهي و ذلك حين يخاطب الله تعالى عباده المخلصين، كقوله عز و جل للنبي الكريم صلى الله عليه و سلم: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) 35 سورة الأحقاف. و كقوله تعالى: (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) 84 سورة مريم.

في الأمة الإسلامية مجموعة من الناس يتعجلون ثمار ما زرعوا و لا يحتملون انتظار البذرة تنموا حتى تصير نبتة ثم شجرة فتزهر و تعطي أكلها، كمثل ذلك الذي يطلب المشي من الجنين. و كيف لهم ذلك و قد ألغوا سنة من أجَل و أهم ما سَن به الله تعالى هذا الكون الفريد، و هي واجب الوقت و دور المرحلة المطلوب، دون التعجل بالنتائج و استباق المراحل.

و لا يجب الخلط هنا بين العجلة بدلالاتها السلبية التي يُفتقد بها معنى الصبر و الحلم و الأناة.. و التسابق في الخيرات و الإسراع في الإقبال على الله عز و جل الذي به يتقدم الإنسان في سلم مدارج السالكين نحو رب العالمين. فالثانية تدخل في إحسان العبد مع ربه، ذاك العبد الذي يُتبع السيئة الحسنة فتمحوها، والذي يسارع في الإنابة و التوبة النصوح، هو ذاك الذي يتسابق في الخيرات فيرجو التواب و المغفرة من الله و جنة عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين قبل أن يفوته الأوان.

حديثنا هنا عن العجلة التي ينهانا ربنا تبارك و تعالى عنها و يأمرنا بتجنبها حتى نكون شيئا في قدر الله الذي يجريه بسنن دقيقة و حكمة بالغة. فتبارك الله أحكم الحاكمين.


و دائما باستقرائنا تاريخ الأمم السابقة و تاريخ أمتنا المجيد، لاحظنا قيمة الصبر و أهميته في تحقيق النصر. فحينما يكون النصر معجلا فالهزيمة تأتي هي أيضا معجلة، و ذلك لضعف الإعداد الجيد و الإيمان بالله تعالى و ضعف التربية و التكوين، و لنا في حرب 73 خير مثال، فالنصر كان حليف العرب ضد الكيان الغاصب، لكن ذلك النصر لم يدم إلا للحظات.


قصة موسى عليه السلام:


يقول تبارك و تعالى في صدر سورة القصص: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) 4.5.6 سورة القصص.

في هذه الآيات الكريمات ذكر ربنا سبحانه و تعالى إرادته بأنه يٌمكًن للذين استضعفوا في الأرض و ينتصر لهم و يمنحهم السيادة و الريادة و يجعلهم الوارثين. و لكن الله عز و جل لا يتعجل النتائج، تعالى الله عن كل نقص، فمن حكمته أن يقيم الحجة على الظالمين و يمهلهم دون أن يهملهم.


ثم يقول جل و علا: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ،فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) 7.8سورة القصص.


و يستمر القرآن في سرد هذه القصة بكل تفاصيلها في صورة القصص، لكن يبقى الأصل هو إرادة الله سبحانه و تعالى في نصر المؤمنين و دحض الباطل و الكافرين و هذا ما سيتحقق في نهاية المطاف.


ثم تختتم القصة بقوله تعالى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) 40.41 سورة القصص.


انظروا معي إخوتي الكرام إلى هذا السيناريو الطويل من قصة سيدنا موسى الذي يحكيه لنا القرآن بتفصيل شديد، دون أن ننسى الأصل الذي هو تمكين بني إسرائيل في الأرض و هلاك فرعون و هامان و جنودهما. و لكن الله يجري سننه و يقيم الحجة و يحقق الأسباب. كانت الإرادة الربانية فتلتها الأسباب و السنن. يولد موسى عليه السلام، و يلقى في اليم، ثم يلتقطه آل فرعون، و يربى في قصر فرعون، كل هذا و قد أراد الله أن يمكن للمستضعفين و يهلك فرعون، ثم يتربى موسى في قصر الطاغية المتجبر، فيشب موسى و يقتل المصري و يرحل إلى مدين، فيستقر هناك 10 سنين، فيشاء الله أن يعود إلى مصر، فتنزل الرسالة، و يذهب بها إلى فرعون، كل هذا و قد أراد الله أن يمكن للمستضعفين و يهلك فرعون، فيحاجج موسى فرعون، ثم قصة السحرة، فيؤمن السحرة، و يقتلهم فرعون، ثم يخرج موسى ببني إسرائيل فيتبعهم فرعن و هامان و جنوده فيكونون من المغرقين.

تأملوا معي هذه النهاية العجيبة التي بصمت لمعجزة ربانية خارقة، فنصر بني إسرائيل على فرعون لم يكن بقوة موسى أو هزيمته لجيش فرعون. و لكن النصر تم بمعجزة ربانية كان بمقدور الله تعالى أن تكون منذ أن أراد الله تبارك و تعالى التمكين لبني إسرائيل و إهلاك فرعون، لكن الله تعالى يجري سننه و يدبر الأمر بحكمة منه، ليعلمنا أن النصر آت آت و علينا أن لا نتعجله.

فإن كنا ممن يتعجل جني الثمار، ماذا نقول في حق سيدنا نوح النبي الرسول و من أولي العزم، ليس كعامة البشر، حين لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين و لم يتعجل قط نصر الله لإيمانه و يقينه في أن النصر آت للمؤمنين مهما طال الزمن.

فيتحقق مرة أخرى قانون الله تعالى بأن النصر من عنده وحده سبحانه و أن صدقنا مع الله و يقيننا فيه و إيماننا بنصر الله لنا و إن تأخر يستوجب منه سبحانه أن ينصرنا و إن كنا ضعافا.

و بهذا فالنصر الحقيقي يستوجب إعدادا و تربية. و ليس من شيم المؤمن تعجل النتائج.

 

إعداد : عبد الرحمن المغازلي - حماة الأقصى
ملخص الحلقة الأولى من برنامج "وتلك الأيام " للدكتور راغب السرجاني
التعليقات (3)
  • عابرة سبيل
    معنى مهم بارك الله فيكم اللهم علمنا ماجهلنا
  • حسناء عبد الحفيظ
    في الحقيقة إذا ما نظرنا إلى واقع كل واحد منا فسنجده يستعجل كل شيء: إذا دخل الطالب القسم فإنه يستعجل إنتهاء الحصة, و إذا عمل أحدهم فإنه يستعجل نهاية الشهر لأخذ راتبه, و إذا ركب أحدهم الحافلة فإنه يستعجل الوصول إلى المكان الذي يريد... و أما إذا دخل وقت الصلاة فالقليل من يستعجل للقاء الله - و عجلت إليك ربي لترضى-....
    الصبر على الطاعة و عدم الاستعجال, هو رهين بمدى تدربنا عليه في الحياة اليومية حتى يصبح اليقين بالله يجري في عروقنا مجرى الدم
    و جزى الله خيرا الدكتور السرجاني على التذكرة و الأخ عبد الرحمان على إيصاله لها
  • موسى محب الاقصى
    الله يختبر امة الاسلامية سؤال لمدا كان انهزم فى غزوة احد لانهم لم يتبع قول رسول الله نحن يوم كل مؤتمرة اي حكام عرب ياتى بفهمة وحد يغربوحد يشرق انا الاسلامية الان انهزمة انهزم حقيقية هدا ماقول
علق
تفاصيل بياناتك:
تعليق:
:D:angry::angry-red::evil::idea::love::x:no-comments::ooo::pirate::?::(
:sleep::););)):0
الحماية
من فضلك أدخل كود منع الرسائل المزعجة الموجود على الصورة.