
يتضح من خلال تفسير الآيات السابقة مدى تطاول اليهود على رسول الله موسى عليه السلام،بل وتعنّتهم الشديد أمام الوحي وإعراض عقولهم عن أمر الله تعالى.
لقد اضطربوا وسألوا، وناقشوا وشددوا؛ فشدد الله عليهم.
فكان سوء الأدب مع رسول الله أول ما استفتحوا به هذا الحوار مع نبينا موسى عليه السلام، فقالوا لمّا أمَرهم بذبح بقرة: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) أي أتتخذنا هزواً وتضحك علينا؟،كيف سولت لهم نفوسهم أن يخاطبوا نبيهم بهذه الصّلافة !
لم تقف جهالتهم وسفاهتهم عند الجرأة على نبيهم،بل وأساؤوا الأدب مع الله خالقهم،قالوا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ) . قبّحهم الله وفضحهم. لقولهم:ادع لنا ربّك،ولم يقولوا ربّنا، فهل الله رب موسى دونهم؟ أليس الله ربّهم؟.
يسألون عن الماهية بعد أن تكون واضحة بادية .يُؤمرون بذبح بقرة فيَسألون ما هي؟!!
إن تعنّت اليهود وعنادهم لم ينحصر ذكره في هذه القصة بل في كل مواقفهم مع سيدنا موسى عليه السلام .وفي كل شؤونهم اعتراض.
أنزلهم موسى عليه السلام بعد اجتياز البحر ونجاتهم من فرعون في واد فيه المنٌّ والسلوى طعاما لهم دون كلل.فقالوا: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ) .
وقالوا: ظمئنا، نريد الماء. فضرب موسى عليه السلام الصخرة بالعصى فانفجرت اثنتي عشرة عيناً، وبدل أن يحمدوا الله على هذه الكرامة والفضل قالوا: أين ربك؟
ذهب موسى عليه السلام ليكلّمه الله عز وجل.فلمّا رجع وجدهم قد اتّخذوا العجل يسجدون له من دون الله.
اصطحب سيدنا موسى معه سبعين رجلا هم خيار بني إسرائيل، (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا) فمضى بهم إلى طور سيناء كي يستغفروا ربهم ويتوب عليهم،وأخبرهم أن الله سيكلمه فإذا كلمه فليسجدوا له.فلما كلمه الله لم يسجدوا، فالتفت إليهم وقال: ما لكم؟ قالوا: أرنا الله جهرة. فأنزل الله عليهم صاعقة فقتلت السبعين جميعاً.
فأحياهم الله،مع ذلك لم يزدادوا إلا فسوقا وعصيانا وقالوا: يا موسى أحيانا الله فأرنا آية؟ فنتق الله الجبل فوق رءوسهم، (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ) .
إذن فما النتيجة ؟ هل تراجعوا عن غيّهم واعراضهم؟
قال لهم موسى هل صدّقتم الآن؟ قالوا: لا .
ماذا يمكن أن تسفر عنه مفاوضات وحوارات مع اليهود بعد كل هذا الإعتراض والجحود والعناد الذي كانوا يمارسونه وينتهجونه مع أنبيائهم ورسلهم ،فما بالك مع غيرهم ؟.
قصة البقرة تتكرر في كل يوم من صراعنا ضد الصهاينة ،ها هو مجلس الأمن قد أصدر في القرن الماضي قرارا بوجوب انسحاب اليهود من بعض الأراضي المحتلة ،فإذا باليهود يسألون نفس السؤال : ( ما هي؟ أي أراضي؟ ما لونها؟ ليست ما تقصدون) .
لا يفوتنا التذكير بأن أصل ومنشأ قصة البقرة كان جريمة قتل قام بها أحد بني إسرائيل،والمُلفت هو أن هذا المجرم بعد أن قتل عمّه سارع إلى موسى عليه السلام وقال له: (عمي قتل البارحة وأنت النبي وبيدك الحكم؛ سل الله من قتل عمي) .
حال هذا اليهودي هو حال اليهود اليوم يقتلون الأبرياء ويسارعون إلى محاولة تغيير الحقائق والظُهور بِمظهر المظلوم المُعتدَى عليه والمدافع عن نفسه .وينطبق عليهم ذلك المثل القائل: (ضربني وبكى؛فسبقني واشتكى) .
وإذا كان ذلك القاتل في قصة البقرة قد افتُضِح أمره وأحيا الله عمه المقتول والذي أخبر بمن قتله،فإن اليهود اليوم جرائمهم ظاهرة، دونما الحاجة إلى ذبح بقرة.















