
..فإنا نسأل سؤالا على سبيل الإنكار على أنفسنا والتذكير : هل يقع شيء في الكون بغير علم الله؟ كلا قطعا، لا شيء يقع في الكون إلا بعلم الله، وهل يقع بعد ذلك شيء في الكون مما علمه ولا واقع إلا وهو يعلمه، هل يقع شيء بغير إذنه سبحانه، كلا قطعا، لا يقع شيء إلا بإذنه، فما من واقعة تقع إلا في كتاب مبين في علم الله جل وعلا، ثم بعد ذلك تقع بإذنه
فمصائب الأمة وأحزانها وأفراحها وأتراحها ومسراتها بالنقيض والوجه المضاد للشيء وذاته، كل ذلك إنما يقع باسم الله -اسم من أسماء الله الحسنى- وهو الحي القيوم جل وعلا، حي سبحانه، القيوم سبحانه، الذي يهب الحياة لمن يشاء ويمنع الحياة ممن يشاء وهو قيوم بذلك على خلقه جميعا مما في الأرض وتحت الأرض وفوق الأرض إلى طبقات السموات العلا، قيوم يدير سبحانه شأن مملكته بما شاء وكما يشاء على ما تقتضي حكمته جل وعلا، "(وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا، وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (الأنعام/59)، الورقة التي تسقط من الشجرة عند هبوب ريح من الخريف أو الشتاء، ورقة تصفر ثم تذبل ويهب عليها ريح أو نسيم وتسقط، تلك الورقة التي سقطت من الشجرة ما سقطت إلا بعلم الله وإلا بإذنه، ذاك عمر لكائن معين اسمه ورقة شجرة قدر الله لها ميقاتها ميلادا من ساعة الولادة إلى ساعة وفاتها بعلمه، وما تسقط من ورقة.إلا يعلمها حتى لا يخطر ببالك بأن الأشجار تنفض أوراقها عبثا، لا يعلم بذلك أحد، على وزان عقلنا الضعيف، كلا حركة الشجر وحركة المطر وحركة الحجر كل شيء حركة مقدرة بمقادير الحي القيوم جلا وعلا ، ولذلك الناس حينما يشاهدون الموت أو الحياة يربطون ذلك بالأشخاص ويربطون ذلك بالحوادث ربطا نهائيا، صحيح أن الناس يتسببون للناس في الخير والشر تسببا، لكن الفاعل الحق وراء كل شيء إنما هو رب الكون وإنما يتيح لنا التسبب واكتساب الأسباب ابتلاء منه جل وعلا لنياتنا ومقاصدنا وعزائمنا في الخير والشر سبحانه وتعالى، ولذلك يخطئ من يظن بأن قضية فلسطين قضية يغيب عنها الله سبحانه وتعالى وجل عن ذلك علوا كبيرا، هي قضية رب الكون سبحانه، هو الذي يدير أمرها من فوق سبع سماوات، وما أعتبر دخول يهود بعد الاستعمار الإنجليزي البريطاني لأرض فلسطين إلى فلسطين دخول اليهود ليس ذلك إلا من باب هذا القدر الذي نتحدث عنه و تحدثنا عنه، هل دخول اليهود وتجمعهم العالمي منذ مؤتمرهم الصهيوني الأول الذي عقده ودعا إليه ثيودور هرتزل منذ ذلك التاريخ، ألم يكن ذلك في علم الله سبحانه؟ كان في علم الله قبل أن يكون في علم من فكر فيه من اليهود، كان في علم الله القديم، ثم وقع ما وقع بإذنه هو ربي تعالى سبحانه الذي أعطى الفرصة لليهود لدخول فلسطين، ليس أنا ولا أنت ولا حتى وعد بلفور، إنما هو تسبب ليكتسب الإنجليز قسطا من الشر، لا أقل ولا أكثر، وإلا فذلك أسميه بتسمية القرآن، القرآن يسميه استدراج " سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿182﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿183﴾ " ﴿ الأعراف ﴾ ، رب العالمين حينما يجد عبدا من عباده أو شعبا من شعوب الأرض قد طغى وتجبر يزيده قوة ويمد له في الغي والتمكين ويسلطه ابتلاء على عباد آخرين تماما كما سلط يهود وهم شر الخلق على المسلمين بما كسبت أيدي المسلمين سنستدرجهم استدراجا، يهيء لهم الفرصة من أجل أن يحق حقه عليهم وأن يحق وعده الذي نص عليه في كتابه المحكم الكريم، وفصله رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته تفصيلا، أحاديث متواترة في مجملها على أن للمسلمين مع اليهود شئنا بين يدي الساعة في الزمان الآخر، والأحاديث في ذلك كثيرة ومشهورة ومتداولة بين الناس، ومشهور بينهم الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم وغيرهما كثير : لتقاتلن اليهود، وفي الرواية الأخرى لن تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، فتسلطون عليهم أي تنتصرون عليهم وفي رواية أخرى بين الشيخين فتقتلونهم حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر فينطق الشجر والحجر يقول يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله حديث في البخاري ومسلم ، نذكر ذلك حتى لا يتسرب الأسى وسوء الظن بالله إلى قلوب المسلمين والعياذ بالله، واليأس أخطر عدو للمسلم هو اليأس، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولذلك ما مات من مات من قادة المسلمين في العالم وفي فلسطين خاصة إلا بعلم الله، و بقدره ولذلك قضية فلسطين ليست قضية فلان أو علان، الكثير من الناس يتصورن أنه انتهى أمر هذه القضية منذ أن مات إمام الشهداء قبل عز الدين القسام رحمه الله إلى الشيخ أحمد ياسين رحمه الله إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات رحمة الله عليهم، القنوات التلفزية تتحدث عن مرحلة ما بعد ياسر عرفات كأنه يعني انتهى الأمر ، هذا خطأ كبير، لكن الحكماء من المسلمين ومن اليهود أيضا حتى من اليهود يعلمون هذا ويقولونه ويصرحون به أن قضية فلسطين هي قضية في جوهرها دينية، هذه هي عقدة اليهود التي لا حل لها، لا حل لهم، ومن سوء حظهم ، أنهم حينما فكروا في الاستعمار فكروا في فلسطين ، ولو كان الأمر متعلقا بدولة أخرى ربما لكان الأمر أهون وربما لأبادوا أهلها واستوطنوها إلى يوم القيامة كما فعل الاستعمار الأوروبي بجنوب إفريقيا والغزاة الغربيون بأمريكا انتهى، سارت توطين واستيطان أبدي، وأبادوا تقريبا ثقافة المجتمع الأصلي، لو فعل اليهود شيئا من ذلك ربما انتصروا، و لكن مأساتهم أنهم دخلوا إلى وطن فيه المسجد الأقصى، والله جل وعلا لا يذكر شيئا في كتابه إلا لحكمة، هذه قاعدة تشريعية عن العلماء قديمة معروفة أن الأمور الكبيرة التي لها علاقة بسيرورة التاريخ وسيرورة المجتمع الإسلامي في أحوال الضعف وفي أحوال القوة دائما ثابتة لا تتبدل ولا تتغير يثبتها الله تعالى في القرآن الكريم ولذلك الذي يتأمل ويقرأ في القرآن كثير، ولديه نظرات يتساءل لم فصل الله في قصص بنوا إسرائيل ذلك التفصيل يفوق نصف القصص إذا أخذت قصص القرآن الكرم قصص عاد وثمود وفرعون كل القصص ستجد قصة بني إسرائيل أكثر من النصف من الذكر من القصص القرآني، رغم أنهم لا يشكلون شيئا من حيث الكثافة السكانية في العالم ، كم هو عددهم في الكرة الأرضية كلها؟؟ ، ومع ذلك تحدث الله عنهم في الكتاب أكثر من غيرهم من الأمم لما يعلم سبحانه وهو العليم الحكيم الخبير أن هذه العلاقة سيكون لها شأن في مستقبل الأيام إلى ما بين يدي الساعة وإلى ما حملوا من التوراة قبل فكانوا مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، خانوا عهد الله عز وجل، ثم بعد ذلك لهم شأن مع المسلمين لن ينتهي إلى ما بين يدي الساعة، فذكرهم الله بهذا الذكر الضخم الواسع العريض المفصل في القرآن الكريم، هذه قاعدة من قواعد القرآن التشريعية، ثم ينزل سورة اسمها سورة الإسراء ويتركها سورة كاملة وما الإسراء إلا ربط أفقي، يعني خط أو كما يقولون باللغة المعاصرة جسر جوي ما بين الكعبة والمسجد الأقصى ""سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" سورة الإسراء سبحانه جل وعلا، ثم عرج به من على الصخرة التي عليها الآن قبة الصخرة بالأقصى إلى السماوات العلا، وكان خطا آخر عموديا، وهذا فيه دلالة عميقة جدا أن الله تعالى هو الذي يتولى أمر هذه الأمة ما دامت متمسكة بهذا المنطق الذي هو منطق القرآن الكريم، ولهذا لا خوف على الإسلام ولا على بلاد الإسلام مهما طال الزمن: الحضارات بين كر وفر وبين مد وجزر، هذه حقيقة ننساها، ولها وجهان، عندها اتجاهان، ونحن الملسمين للأسف ننساها، لكن قلت الذي يمارس قراءة القرآن وتدبره يدرك ذلك وقلت حتى حكماء اليهود يعرفون ذلك، ولذلك الكثير منهم ضد وجود اليهود الآن في دولة فلسطين، عدد من الحكماء من الحاخامات يعني رجال الدين ضد الاستعمار اليهودي الصهيوني لفلسطين، ولا شك أن الكثير من الناس استمع إلى كلامهم وهو موجود، بل مكتوب أيضا، قلت هناك وجهان للحقيقة، إضافة إلى ما ذكرت، أن القضية الله تعالى من فوق سبع سماوات يدير ويدبر أمرها ويستدرج من يستدرج ويبتلي من يبتلي، أمران، ونبلوكم بالشر والخير فتنة ليثبت من ثبت على الحق ويكون من المؤمنين بالله وبكتابه وبرسوله عليه الصلاة والسلام وليفتن من يفتن ويتخذ لهم ما شاء من الاتجاهات ومن القبلات مما دون صراط الله المستقيم وقبلته الثابتة، فالله جل وعلا هو سبحانه من يدبر شأن الكون كله.
الأمر الثاني أن القضية الفلسطينية ليست قضية الفلسطينيين، أبدا هذا غير صحيح، القضية قضية الأقصى، وفلسطين قضية المسلمين، مليار ونصف من المسلمين في العالم، تلك قضيتهم، فليبيدوا شعب فلسطين كله، يعني ولو أنهم يبيدوا كل الفلسطينيين ولا يبقى أي واحد، لن يجدوا راحة أبدا، ولا مستقبل لهم هناك، إذا لم يستطع هذا الجيل سيأتي جيل آخر، ما دامت سورة الإسراء موجودة، وما دام القرآن موجودا، فقد علمنا قطعا باليقين أن الأرض تزول، والقرآن لا يزول، يبقى إلى يوم القيامة، فلذلك إذن المؤمن من نظر إلى حقائق الأشياء في العالم بنظر الله، أي بنوره سبحانه وتعالى الذي يضيء به بصائر المؤمنين.
ماذا بإزاء المؤمن أن يقدم لفلسطين، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح رواه أحمد في مسنده والطبراني وغيرهم وهو صحيح الإسناد، حديث ميمونة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس، فقال لها عليه الصلاة والسلام: أرض المحشر والمنشر، وإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره (هناك رواية أخرى فيها خمسمائة صلاة)، يعني ميمونة امرأة، قالت: فمن لم يقدر أن يركب إليه؟، أي لم يقدر أن يصل إليه، وهذا السؤال مهم جدا لزماننا، هم في ذلك الوقت لم يكونوا يستطيعوا الوصول له، الضعفاء والنساء والشيوخ والولدان، لأن المسافة لم تكن آنئذ بالهينة، نظرا لوسائل النقل البسيطة، فقال لها عليه الصلاة والسلام من لم يستطع أن يركب إليه كي يصلي فيه وينال هذا الأجر، فليهدي إليه زيتا يسرج فيه فمن أهدى إليه زيتا يسرج فيه كان كمن صلى فيه، اهدي شيئا للمسجد الأقصى، وهذا تعبير عند الأصوليين التعبير بالأدنى تعبيرا عن الأعلى، ولو أن ترسل له زيتا ليضيء الضوء هناك لأن من قبل كانت القناديل توقد بالزيت وهذا تعبير رمزي لكن نفهم منه اليوم أن كل من ساند قضية الأقصى بأي وسيلة مشروعة كان كمن صلى فيه، و لذلك أقول إن من أهم ما يناسب حالنا ومكاننا وزماننا لمساندة أولئك: الدعاء لهم أولا، ثانيا التخلق بأخلاق القرآن، لم؟ لم التخلق بأخلاق القرآن؟ لأن التخلق بأخلاق القرآن ضمان لتجديد حياة القرآن في الأمة، القرآن يعيش فينا من جديد، وتجديد حياة القرآن في الأمة معناه أن جيل القرآن بدأ يولد وقد بدأ بالفعل، لا يمكن للجيل القديم أن يكون كالجيل الجديد في فهم الدين، الإسلام وفي تطبيقه رغم فساد الدنيا، الأحوال على خير وبخير ولله الحمد، حينما يصبح القرآن نباتا يصبح كالربيع في بلاد المسلمين، اعلم أن نهاية الظلم والظلمات قد آنت وحلت، فكل من ساهم في خدمة القرآن الكريم تلاوة وتدبرا وتعلما وتعليما وتخلقا بأخلاقه في نهاية المطاف فقد خدم قضية فلسطين وخدم قضية الأمة في كل مكان، لأن الله عز وجل جعل مستقبل هذه الأمة ومستقبل أحوالها مدونا في القرآن، يجب فقط أن يتفاعل القرآن ويشتغل فينا وسترى نتائجه قطعا تماما كمطر الرحمة، يسقط بشكل غزير، لا يجود شيء في الأرض، فقط الماء والتراب الذي يعطي الطين، لكن بعد ذلك ترى الأرض قد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، هذا هو القرآن، روح يحيي به موات القلوب، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا (هو القرآن) مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ..
تفريغ خطبة جمعة للشيخ فريد الأنصاري رحمه الله بعنوان: فلسطين قضية رب الكون
إعداد موقع حماة الأقصى
















ولنا في أحداث تونس عبرة، حيث حصل ما لم يخطر على بال أحد، فسبحان الله رب العالمين