
انتهت فترة حكم الإغريق على أرض فلسطين بدخول الدولة الرومانية العظمى التي كانت تعتبر آنذاك أكبر دولة في العالم، وكانت تتنافس مع فارس في السيطرة على العالم لقرون متتالية من الزمن، وحصلت بينهما صراعات في أماكن مختلفة من العالم، وفي سنة 63 ق.م. أصبحت فلسطين ساحة الصراع بين الدولتين
حيث جاء "بومبي" الذي كان أحد القادة الرومان الكبار في ذلك الوقت، واستطاع السيطرة على أرض فلسطين وإخراج الإغريق منها، ثم قضى بعد ذلك على الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به اليهود منذ زمن قورش الفارسي، الذي كان قد أعطاهم حكما ذاتيا على مساحة صغيرة جدا من الأرض قرب القدس، وظلوا على ذلك قدرا من الزمن حتى بعد دخول الاسكندر المقدوني، لكن الدولة الرومانية الوثنية لم تقبل بهذا الوضع، وبالتالي عاش اليهود في فلسطين بدون أي نوع من الحكم الذاتي، وفي سنة 37 ق.م. دخل في اليهودية زعيم الدولة الرومانية آنذاك "هيرودس"، وكان هذا الزعيم ظالما وفاسدا، وكان شديد البطش بسكان فلسطين، بما فيهم اليهود، مع أنه تهود، إلا انه كان مكروها لدى الجميع حتى من اليهود أنفسهم، لكن من بين الأعمال التي اشتهر بها في التاريخ هو قيامه بتجديده بناء المسجد الأقصى، كما قام بتكبير حجمه وزاد فيه بعض الأعمدة، إلى غير ذلك من إعدادات وتجهيزات، واشتهرت هذه التجهيزات باسمه.
عاصر هيرودس كلا نبي الله يحيى ونبي الله زكرياء والسيدة مريم، وولد في آخر عهده السيد المسيح عليه السلام، وفي أواخر حياته أراد أن يتزوج من ابنة أخته، ولكونه تهود فإن هذا الأمر كان يعتبر محرما في ديانته، فاعترض يحيى عليه السلام على زواجه، إلا أن هيرودس قام بقتله، واعترض عليه أيضا زكرياء عليه السلام فقام بنشره، وكان هذا الأمر متكررا في اليهود، ومع أن أصله لم يكن يهوديا، لكن معظم اليهود لم تكن أصولهم يهودية، وما رأينا منهم سوى هذا الظلم والقهر وهذا القتل للأنبياء، ويذكر الله تعالى هذا في كتايه الكريم: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران:21).
وفي آخر عهده ولد سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام، وقد اختلف النصارى اختلافا كبيرا في تحديد تاريخ ولادته، لكن من المرجح أنه ولد سنة 4 ق.م كما جاء في رواياتهم، وكانت ولادته مفاجئة كبيرة جدا لعامة سكان فلسطين، فكما نعرف فإن السيدة مريم شعرت بخطورة كبيرة على ابنها عيسى فهربت به كما يُقال إلى أرض مصر أو إلى أرض أخرى، ثم عادت به بعد وفاة هيرودس، وكان هذا الأمر بغاية البساطة والوضوح لمن آمن بالله عز وجل وقدرته وحكمته، فكما نعلم أن السيدة مريم ولدت سيدنا عيسى من دون أب، فاستغرب الناس ذلك واتهموها بالزنا، فأشارت إليه، وقالوا لها كيف نكلم من كان في المهد صبيا، {( قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ( 30 ) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ( 31 ) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ( 32 ) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ( 33 )}(مريم). ونُطق عيسى في المهد كان أمام الجميع، فكان ذلك معجزة ظاهرة تثبت صحة ما قالته سيدتنا مريم، لكن اليهود لم يصدقوا آنذاك هذا الأمر واتهموا السيدة مريم بالزنا مع شخص معروف لديهم في التاريخ باسم يوسف النجار، وانتشرت هذه الفكرة الفاحشة في اليهود، بل وفي النصارى أنفسهم، وحاشاها عليها السلام.
بعدما عادت سيدتنا مريم برضيعها إلى أرض فلسطين، عاشت بمدينة الناصرة ، ولذلك يعرف سيدنا عيسى عليه السلام بعيسى الناصري أو يسوع الناصري كما في الروايات النصرانية، ويعرف أصحابه بالنصارى.
عاش سيدنا عيسى يدعوا على أرض فلسطين، وكانت دعوته بالأساس موجهة لليهود، أي أن سيدنا عيسى كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل، وكما ذكر ربنا تعالى أنه جاء لتخفيف الأعباء على بني إسرائيل، يقول الله تعالى {ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم باية من ربكم فاتقوا الله واطيعون} (آل عمران:49).
مع أنه جاء إليهم بالرحمة وبالتخفيف وبرفع الكثير من التكاليف التي فرضها ربنا عليهم لأنهم شقوا على أنفسهم وخالفوا وعصوا، إلا أنهم كرهوه سيدنا عيسى كرها شديدا، فأصبح فتنة للعاملين، لا يعتقد فيه الاعتقاد الصحيح بأنه رسول كريم من أولي العزم من الرسل إلا المسلمون، وهناك وللأسف الشديد من غالى في كرهه إلى درجة أن كفروه وسعوا إلى قتله، ومنهم من غالى جدا في حبه فرفعوه فوق درجة العبودية وفوق درجة النبوة فأعطوه صفة الألوهية ، بل وأعطوه صفة ابن الإله أو ما إلى ذلك من أقوال..
عاش سيدنا عيسى يدعوا على أرض فلسطين إلى غاية سنة 30 ميلادية، وفي هذه الأثناء بَشر بأنه سيأتي بعده نبي هو نبي آخر الدنيا وآخر الأنبياء.
قام اليهود بتحريض الحاكم الروماني الوثتي بيلاطيس على سيدنا عيسى، فتمت محاكمة سيدنا عيسى، إلا أن بيلاطيس وجد أثناء المحاكمة أن الأقوال التي يدعيها اليهود عنه ليست بصحيحة، فتحرج من أن يقتل عيسى عليه السلام، فمع أنه وثني إلا أنه كان أرحم بسيدنا عيسى من اليهود الذين مع ذلك اجتمعوا وتمردوا على الحاكم وقالوا له بصوت واحد: اصلبه اصلبه ودمه علينا وعلى أولادنا. فاضطر الحاكم الروماني مع هذه الثورة ونظرا لقلة أتباع سيدنا عيسى، إلى أن يقوم بمحاولة قتل عيسى عليه السلام، لكن الله تعالى أدرك عيسى عليه السلام برحمته، فألقى شبهه على أحد أتباعه وبالتالي نجا عيسى عليه السلام من هذه المحاولة، يقول الله تعالى: {وما قتلوله وما صلبوه ولكن شبه لهم} (النساء:157)
ولقد كان أصحاب سيدنا عيسى عليه السلام يدركون أنه رفع ولم يقتل، وكيف يعتقدون بعد ذلك أنه إله وقد قتل ، وكيف كان حال الأرض بعد مقتل الإله، لكن هذا ماكانوا يعقتدونه لأسف الشديد. بعد رفع سيدنا عيسى بدأت دعوة النصارى تسري رويدا عن طريق أصحاب سيدنا عيسى عليه السلام، وتعرضوا لاضطهاد شديد من اليهود قبل أن يتعرضوا للاضطهاد من الرومان بعد ضغط اليهود عليهم وإقناعهم ليقوموا بتعذيب أصحاب سيدنا عيسى عليه السلام، ووجدوا معاناة شديدة وجلدوا أكثر من مرة، فاضطروا بعدها لمغادرة فلسطين والسعي في الأرض، ومنهم من وصل إلى أوربا أو إلى روما كبولس وبطرس، وهم كبار أصحاب سيدنا عيسى عليه السلام، واللذان بدآ بنشر المسيحية في أوربا.
كل هذه القصص، منذ ولادة سيدنا عيسى إلى قصة رفعه، توضح حقيقة العلاقة بين اليهودية والنصرانية، وكيف كانت هناك حرب دائمة بينهما، فأكثر الناس كرها للنصارى هم اليهود وأكثر الناس كرها لليهود هم النصارى، {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} (البقرة:112). وقد نستغرب اليوم لهذا التوحد والعلاقة التي نراها بينهما، وهذا مرده لأسباب كثيرة جدا، لعل من أهمها اتفاق المصالح في قضايا مختلفة كثيرا سواء أكانت اقتصادية أو سياسية أو عسكرية أو حتى دينية، فالنصارى يعتقدون أن عيسى عليه السلام لن ينزل إلى الأرض إلا بعد أن تقام دولة لليهود في فلسطين كما هو لديهم في إنجيلهم المحرف، فهم يساعدون اليهود على إقامة دولة لليهود في فلسطين تسريعا لنزول عيسى عليه السلام وهذه هي عقيدتهم ، لكن الكره بينهما ما يزال قائما، فهناك العديد من المفكرين المسيحيين ورجال الدين والقساوسة الذين كانوا يكتبون بلهجة قاسية جدا عن اليهود خلال قرون متتالية إلى حدود خمسين سنة، وكان المسيحيون يمنعون اليهود من دخول حدائقهم وشوارعهم ويكتبون عليها: ممنوع عليه لأنه يهودي، ويطعنون في أصله وجنسه وما إلى ذلك من أمور.
بدأ أصحاب عيسى ينشرون المسيحية في مختلف أنحاء العالم، وقد كانوا يدركون أنه رفع ولم يقتل، لكن مع مرور الوقت تعرضت المسيحية لتحريفات كثيرة، وممن حرف المسيحية أولئك الذين حملوا الرسالة من أولها، فأول من ادعى أن عيسى عليه السلام كان إله وليس برسول كان بولس، ونشر المسيحية بهذه الصورة، ونشر بعض المصطلحات الفلسفية الإغريقية فحصل نوع من التداخل بين هذه المصطلحات وبين الديانة النصرانية الحقة التي جاء ها عيسى عليه السلام.
في سنة 64 ميلادية، قتل الإمبراطور الروماني المشهور "نيرون" بولس وبطرس في روما، وبذلك أنهى هذا الجيل الأول، وإلى هذه اللحظة لم يكن هناك كتاب مكتوب اسمه الإنجيل عند النصارى، لكن كانت هناك رسائل يرسلها قسيس إلى قسيس آخر أو من قسيس إلى داعي في مكان آخر، وهذا الرسائل كانت بعد مائتي سنة أو أكثر من وفاة سيدنا عيسى عليه السلام، وبعد هذه السنوات الطويلة بدؤوا في كتابة الإنجيل، فكتبوا أكثر من خمسين إنجيلا بأسماء مختلفة.
بعدما ظن اليهود أنهم أصبحوا ذويي مكانة من كثرة ضغطهم على الإمبراطور الروماني، طمعوا في القيام بثورة ليصلحوا من أوضاعهم، وليأخذوا الحكم الذاتي الذي كان لديهم قبل دخول الرومان إلى أرض فلسطين، لكن الرومان ردوا عليهم ردا غليظا من أعنف الردود في التاريخ، حيث قام الحاكم الروماني في ذلك الوقت "تيدوس" بمحاصرة القدس سنة 70 للميلاد، وقام بضرب اليهود ضربة تعد من أكبر الضربات التي تعرضوا لها في التاريخ، حيث حاصر "تيدوس" المدينة وأمر اليهود أن يقتل بعضهم بعضا، فطمع اليهود إلى قليل حياة "ولنتجدنهم أحرص الناس على حياة ..." وقتل بعضهم بعضا فحصلت مجزرة شنيعة في أرض فلسطين لم ينجوا منها إلا الشريد ومن كان من اليهود خارج مدينة القدس، وقام بهدم المسجد الأقصى كما يقول اليهود حتى لم يبقى منه حجر. وعاش معظم من بقي على أرض فلسطين من اليهود كعبيد، ومنهم من نقل إلى أوربا، ومنهم من ألقي إلى الوحوش ليتصارع معهم أمام الزعماء الرومانيين ليتسلوا بهم.
بعد ستين سنة من هذه المجزرة وفي سنة 130 للميلاد، أحس القائد الروماني "إيليا هيدريان" بمؤامرة جديدة يدبرها اليهود، فقام بمجزرة جديدة قضى فيها على الوجود اليهودي، ومسح فيها أورشليم القدس وبنى على أنقاضها مدينة جديدة سماها بمدينة إيلياء نسبة إليه، وهذا هو الإسم الذي كان معروفا في الفتح الإسلامي، وهو الإسم الذي كُتب في العُهدة العمرية.
بعد هذه الحادثة لم يستطع يهودي واحد أن يبقى على أرض فلسطين، فهمنهم من غادر إلى مصر ومنهم من غادر إلى شمال تركيا ومنهم من غادر شرقا إلى روسيا، فتفرق اليهود بعد ذلك تماما، ولم يستطع اليهود بعد ذلك ولسنوات طويلة جدا أن يعيشوا على أرض فلسطين إلى أن جاء هذا الزمان.
وفي خلاصة كل هذا نجد بأن اليهود عاشوا على أرض فلسطين ما مجموعة 1350 سنة، منها 932 سنة عاشوها في ذل وهوان تارة تحت الحكم الفارسي، وتارة تحت الحكم الإغريقي، وتارة أخرى تحت الحكم الروماني، بينما عاشوا يحكمون على أرض فلسطين لمدة 418 سنة فقط، 80 سنة منها هي التي كانت عبارة عن حكم إيماني تحت قوة داود وسليمان عليهما السلام، بينما عاشوا بقية الفترة في ظل مملكتي إسرائيل ويهوذا في فساد وإباحية وظلم ووثنية، وعاشوا تاريخا أسودا كله ظلم وتعدي على حرمات الله تعالى وقتل الأنبياء، توجوه في النهاية بمحاولة قتلهم لسيدنا عيسى عليه السلام.
ما الذي سيحل باليهود بعد خروجهم من أرض فلسطين؟ وماذا سيحصل للدولة الرومانية؟ وهل ستظل دولة وثنية؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة.
____________________________
إعداد آسية لوزي
حماة الأقصى
ملخص الحلقة السابعة من سلسلة خط الزمن للدكتور راغب السرجاني
اقرأ كذلك:
سلسلة خط الزمن: المقدمة
سلسلة خط الزمن الحلقة 2 – فلسطين في العصر البرونزي القديم
سلسلة خط الزمن الحلقة 3 – فلسطين في العهد البرونزي المتوسط
سلسلة خط الزمن الحلقة 4 – اضطهاد الفراعنة لبني إسرائيل وبعثة نبي الله موسى
سلسلة خط الزمن الحلقة 5 – بنو إسرائيل في فلسطين
سلسلة خط الزمن الحلقة 6 : تمزيق اليهود في فلسطين
















تونس - في الكون أرض .. في الأرض فلسط...
في الكون أرض .. في الأرض فلسطين .. ف...