
حُكم اليهود طيلة 80 سنة بقوة داوود وبعده سليمان عليهما السلام، ولم يكن الإيمان مترسخا في قلوبهم، لدرجة أنهم وبمجرد وفاة سيدنا سليمان عليه السلام بدا منهم البغي والفساد في الأرض والبعد عن كل فضيلة وكل خلق حميد، وعادوا إلى الوثنية بتقديس آلهة الفينيقيين والكنعانيين، وانقسموا على أنفسهم، فاجتمع 10 أسباط ليكونوا مملكة إسرائيل شمال فلسطين
واجتمع سبطا بنيامين ويهوذا ليكونا مملكة يهوذا جنوب فلسطين، واستمر حكم مملكة إسرائيل لمدة 202 سنة، كلها فساد وبغي وعدوان إلى أن سلط الله عليه الآشوريين سنة 721ق.م.، وهم من أهل العراق، فأفنوا مملكة إسرائيل عن آخرها، وسبوا أهلها وبعثروهم في العالم، وبذلك انتهى نسل هؤلاء الأسباط العشرة بصفة نهائية من الدنيا بكاملها. وظلت مملكة يهوذا في الجنوب تضم فرعين فقط من فروع سيدنا يعقوب عليه السلام، ولم يكن اسم اليهود معروفها من قبل في عهد سيدنا موسى عليه السلام ولا في عهد الأنبياء الذين جاؤوا قبل ذلك، وعاشت مملكة يهوذا بعد مملكة إسرائيل ما يناهز مائة وخمسة وثلاثين سنة، إلى حين سنة 586 ق.م.، حيث سلط الله عز وجل عليها قوما أبادوها شر إبادة لما عصوا ربهم وتمادوا في العصيان أمدا طويلا من الزمن.
قبل هذا الحدث بإحدى عشر سنة، أي في عام 595 ق.م.، أرسل الله تعالى عليهم قوما من العراق، فجاسوا خلال الديار تهديدا لهؤلاء القوم، وهدموا العديد من القرى، وسبوا حوالي عشرة آلاف من اليهود، وأخذوهم إلى بلاد ببابل بالعراق، إلا أن بني إسرائيل لم يتعظوا مما حصل لهم ومن تذكير ربهم لهم، بل استمروا على عصيانهم وطغيانهم، فسلط الله عليهم نَبُوخَذْنَصْر او بُخْتَنصْر كما في بعض الروايات، وهو قائد البابليين في العراق، ومسح كل شيء موجود في أرض فلسطين، ودمر مملكة يهوذا بكاملها، ودمر المسجد الأقصى الذي يدعي اليهود بأنه الهيكل الذي كان لديهم، وخرج من البلدة ومعه 40,000 من اليهود، وهو ما يعرف في التاريخ بالسبي البابلي الثاني، وأخذهم معه إلى العراق، وبذلك سقطت مملكة يهوذا سقوطا كاملا. وكان ذلك نهاية للحكم اليهودي في فلسطين الذي بدأ سنة 1004 ق.م.، وانتهى سنة 586 ق.م.، أي ما مجموعه 418 سنة، منها 80 سنة فقط كانت حكما إيمانيا، ولو أن هذا الحكم كان اضطراريا لليهود الذين كانوا يخضعون لقوة داوود وسلميان عليهما السلام، ويضمرون الكفر في قلبوهم، لكن حفظ الله هذه البلاد بتقوى وصلاح الأنبياء الكرام الذين حكموا هذه المملكة، وبعدها تولى اليهود حكم البلاد 380 كانت كلها إفسادا وبغيا ووثنية وعصيانا لأنبياء الله تعالى الذين قتل اليهود الكثير منهم. إلى حين مجيء بختنصر الذي أنهى وجودهم، وسنرى كيف أن اليهود رجعوا إلى أرض فلسطين بعد ذلك، لكنهم لم يعودوا أبدا حاكمين. وبالتالي فإن فترة حكمهم حكما إيمانيا حقيقيا لم تتجاوز 80 سنة، هي التي يحتج بها اليهود في أحقيتهم بهذه الأرض وملكيتهم لها وحقهم التاريخي كما يزعمون، ثم انظر ماذا قالوا أعن أنبياء الله الذين حكموا في هذه الفترة !
فر من تبقى من بني إسرائيل على أرض فلسطين إلى مصر، بينما توجه 50,000 منهم إلى بابل في العراق في السبي الأول والثاني، وهناك بدؤوا يسجلون في التوراة، أي بعد مضي 700 سنة من نزول التوراة على موسى عليه السلام! وطيلة هذه الفترة لم تكن هناك توراة بين أيديهم، بعد سرقة التابوت والألواح منهم، ولم يعودوا يملكون شيئا منها سوى بعض الذكريات والقصص التي كان يرويها بعضهم لبعض، وهذا يبين مدى التحريف الذي تعرضت له التوراة، وبالذات أنها أعطيت لهؤلاء الكذابين الأفاقين، وظلوا يكتبونها طيلة 400 سنة. لقد كان من المستحيل بالعقل والحجة والبرهان أن يحفظوا هذا الكتاب، ولهذا نجد فيه الكثير من البعد عن الفطرة السليمة و الطعن في أنبياء الله تعالى، ومن التضاد بين آيات كثيرة، والركاكة في الأسلوب.
قول الله تعالى في آية تصف هذه الأحداث: { وقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً } يقول أغلبية المفسرين بأن هذه الآية تتحدث عن هذا الإفساد الأول والعلو الكبير الذي حدث بعد وفاة سليمان عليه السلام، والذي بسببه سلط الله عليهم عبادا له الذين هم قوم بختنصر، والذي بسببه أضاع الله ملكهم.
وهناك من يعارض هذا التفسير باعتباره أن بوخذنصر كان وثنيا وليس كما وصف الله عز وجل في الآية بقوله عبادا لنا، لكن الحقيقة أن الظالم إذا رفض العبودية لله فهذا لا ينفي عنه العبودية، فهو من عباد الله شاء أم أبى، فكلنا من عباد الله تعالى حتى ولو كنا من العصاة والظالمين, ثم إن الله عز وجل قال عِبَادا لنا وليس عُبَّداً لنا، وبالتالي فهو مجرد عبد من عباد الله تعالى. كما أن هناك إشارة لطيفة في كلام سيدنا عمر بن الخطاب لما كان يخاطب جيوش المسلمين المتوجهة إلى العراق للجهاد في سبيل الله قائلا:" ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فقد سلط الله المجوس وهم كفرة على بني إسرائيل وهم من عباد الله لما أفسدوا في الأرض فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً". وهنا نلاحظ كيف أنه استخدم نفس الألفاظ المجودة في الآية لأنه كان يعلم أن نبوخذنصر أو بختنصر هو الذي أرسله ربنا سبحانه وتعالى لإهلاك بني إسرائيل، وهذا هو العلو الأول لبني إسرائيل كما وصفه ربنا سبحانه وتعالى.
بالنسبة للعلو الثاني، فلعله هو ما يحدث الآن في أرض فلسطين، هذا العلو الذي استطاع فيه اليهود السيطرة على أرض فلسطين، وأن تمتد أيديهم بعد ذلك إلى أماكن كثيرة، حيث احتلوا من قبل أجزاء من مصر، واحتلوا ومازالوا يحتلون حتى يومنا هذا أجزاء من لبنان وسوريا. وما زالوا يريدون التوسع أكثر لتحقيق إسرائيل الكبرى، ولهم نفوذ اقتصادي هيبة سياسية على مستوى العالم، وتقف بجوارهم دول كبرى في العالم. ونحن نتطلع إلى البشارة التي وعدنا إياها ربنا سبحانه وتعالى أنه سيرسل عليهم عبادا له فيعيد الكرة عليهم كما أهلكهم من قبل نظرا لذنوبهم الكبيرة.
ومن العجيب أن اليهود يعرفون القضية جيدا، ويعرفون أنهم خالفوا أمر الله تعالى، وأنهم بعيدون عن الطريق، لكنهم اختاروا طريق الضلال بإرادتهم، لذلك علق ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم باللعنة عليهم: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم، وجلعنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به} وفي آيات أخرى يصف الله تعالى قلتهم الأنبياء وأخذهم الربا وظلمهم للناس وما إلى ذلك. ويفسر اليهود الإهلاك الذي لحقهم من نبوخذنصر في تلمودهم، وهو من الكتب المقدسة المفسرة للتوراة عند اليهود، حيث يقولون: "حدث هذا (أي إهلاك نبوخذنصر لمملكة يهوذا) عندما بلغت ذنوب بني إسرائيل مبلغها، وفاقت حدود ما لا يطيقه الإله العظيم، وعندما رفضوا أن ينصتوا لكلمات وتحذيرات إرمياه (وهو أحد أنبياء اليهود المذكورين في التوراة)، ويخاطب إرمياه نبوخذ نصر ويقول له: "لا تظن أنك بقوتك وحدها استطعت أن تتغلب على شعب الله المختار، إنها ذنوبهم الفاجرة التي ساقتهم إلى هذا العذاب".
وفي سفر أشعية في التوراة، وهو أحد أنبياء اليهود في التوراة، يقول أشعية: "ويل للأمة الخاطئة (أي بنو إسرائيل، وهذه الكلمات يقرؤونها في صلواتهم من الكتاب المقدس) الشعب الثقيل الآثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدين، تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء" ثم أيضا: "والأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع، غيروا الفريضة، نكثوا العهد الأبدي". فإذا كانت كتبهم تصفهم بهذه الصورة، مع أنها تعرضت للتحريف الشديد، فما بالنا بواقعهم! لقد كانوا على وثنية وضلال وبعد عن الدين لا يتصوره عقل ولا يمكن أبدا أن تصفه أقلام، ويكفي ما ذكره الله تعالى في حقهم في سيرة أنبيائهم، بدءا من موسى عليه السلام، ومرورا ببقية الأنبياء.
بدخول نبوخذ نصر وإهلاكه ممكلة يهوذا، بدأ عصر جديد في مملكة فلسطين المباركة، هو عصر الحكم البابلي الذي استمر لمدة 47 سنة فقط، وكأنه لم يدخل إلا لإهلاك بني إسرائيل، فبعد ذلك دخل الحكم الفارسي الذي جاء من أرض إيران، والصراع كان تقليديا ومازال بين أرض العراق وإيران، وحدث وقتها صدام بينهما، فانتصر زعيم الفرس قورش على البابليين بمساعدة اليهود الذين عاشوا عبيدا يخدمون الباليين، كما عاشوا قبل ذلك عبيدا يخدمون الفراعنة في مصر، واستمر الحكم الفارسي على أرض فلسطين لمائتي وسبع سنوات، إلى غاية سنة 332 ق.م.، عندما دخل القائد الروماني الإسكندر المقدوني ليزيل الحكم الفارسي، ويضع مكانه الحكم الإغريقي الذي كان وثنيا كسابقه، وهو ليس كما يعتقد البعض بأنه ذو القرنين، فذو القرنين كان عبدا لله صالحا موحدا كما أخبرنا بذلك ربنا تعالى. واستمرت فترة حكم الرومان على أرض فلسطين لمدة 269 سنة، أي إلى غاية سنة 63 ق.م. عاش خلالها اليهود في ظل حكم الرومان دون أن يتعرضوا لأي إيذاء منهم، وكانوا منبهرين بالحضارة الرومانية، وبدؤوا بتعلم لغتهم، وانقسم اليهود القلة الذين بقوا على أرض فلسطين إلى طائفتين، طائفة سمت نفسها بالمتأغرقة، وهم الذين كانوا يقلدون الإغريق وعاشوا عيشتهم وتعلموا لغتهم واتبعوا وثنيتهم، وغيروا الكثير في التوراة المحرفة أصلا، تبعا لما هو موجود في التراث الإغريقي، ولهذا نستطيع أن نفهم كيف يتحدث اليهود عن الرب باعتباره غير مقدس، وقد يصفونه بأن تكون أخلاقه غير سوية، أو أن يُغلب، أو أن يكون جاهلا للكثير من الأمور من الأشياء..، وهذا مما تسلل إلى الديانة اليهودية من الفكر الإغريقي. فيما بقيت طائفة قليلة على الديانة اليهودية المحرفة، وكانوا يتبعون رجلا كان يدعى يهوذا المُوكَابي، وهذه الكلمة تعني مطرقة، وهو معظم عند اليهود، وقاموا بشيء من الثورة التي احترمها الإغريق، الذين قبلوا دخول يهوذا الموكابي إلى القدس وذلك في يوم 25 يناير من عام 116 ق.م.، وهو من الأعياد المشهورة عند اليهود، ويسمى عيد الأنوار أو حانوكا، بسبب أن أحدا من اليهود حافظ على التوراة المحرفة أصلا، داخل أرض فلسطين.
بعد مضي هذه الفترة، دخلت دولة جديدة لتسيطر على أرض فلسطين، واستمرت هذه السيطرة لمدة 700 سنة، ترى ما هي هذه الدولة؟ وما هي الأحداث التي حدثت في زمانها؟ وما هي قصة سيدنا المسيح عيسى عليه السلام في أرض فلسطين؟ هذا ما سنراه بإذن الله في الجزء القادم.
إعداد آسية لوزي
حماة الأقصى
ملخص الحلقة الخامسة من سلسلة خط الزمن للدكتور راغب السرجاني
سلسلة خط الزمن الحلقة 3 – فلسطين في العهد البرونزي المتوسط
سلسلة خط الزمن الحلقة 4 – اضطهاد الفراعنة لبني إسرائيل وبعثة نبي الله موسى
سلسلة خط الزمن الحلقة 5 – بنو إسرائيل في فلسطين
















تونس - في الكون أرض .. في الأرض فلسط...
في الكون أرض .. في الأرض فلسطين .. ف...