اضطهاد الفراعنة لبني إسرائيل وبعثة نبي الله موسى

رأينا في الحلقة السابقة كيف هاجر يعقوب عليه السلام إلى مصر مع أبنائه بعد دعوة ابنه يوسف، وكيف عاش بنو إسرائيل في مصر لحوالي 150 سنة في ظل حكم الهكسوس، عاشوا فيها على ملة أبيهم إبراهيم عليه السلام دون أية مضايقات، لأن الهكسوس كانوا يؤمنون بالحرية الدينية، واستمر الوضع على هذه الحال إلى حين هزيمة الهكسوس على يد الفراعنة، لتبدأ بعدها سنوات المعاناة والاضطهاد لبني إسرائيل من قبل الفراعنة، بتهمة أنهم كانوا عونا للهكسوس، واستمر هذا الاضطهاد لمدة 300 سنة غيرت كثيرا من طباعهم.
كيف عاش بنو إسرائيل نتيجة اضطهاد الفراعنة لهم؟
عاش بنو إسرائيل حياة العبيد، لا رأي لهم ولا مطامح يعيشون لها، تعودوا على الذل والجبن والكذب حتى ترسخ في داخلهم هذا الخلق الذميم واشتهروا به حتى وصفهم الله عز وجل بذلك في القرآن الكريم. كما أظهروا الوثنية كثيرا في فترة عيشهم مع الفراعنة، وترسخ في وجدانهم كل ما كان يفعله هؤلاء من عبادة الأوثان، مع أنهم صبروا على ملة إبراهيم عليه السلام، ولكن بتحريفات كثيرة حدثت طيلة هذه الثلاثمائة سنة.
وكان فرعون مصر في ذلك الوقت يستعبد الناس ويذبح الأطفال ويستبعد النساء. قال الله سبحانه تعالى:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} القصص4.
في هذه الظروف وُلد هارون عليه السلام ونجا من فرعون ثم من بعده موسى عليه السلام الذي نجا أيضا كما ورد في قصته بالقرآن الكريم، وتربى موسى عليه السلام في قصر فرعون، ثم حدث حادث قتل المصري فخرج موسى هاربا من مصر إلى مدين التي عاش بها وقتا من الزمن، ليعود بعدها إلى مصر وتنزل عليه الرسالة في طريق العودة، وجاء إلى فرعون وخاطبه الخطاب المعروف وأقام عليه الحجة، وآمن السحرة في موقف مهيب جليل.
ولم يؤمن له من كل أهل مصر في ذلك الوقت سوى ثلاثة أو أربعة على الأكثر: آسية زوجة فرعون، وماشطة فرعون، ومؤمن آل فرعون كما جاء في سورة غافر، ويقال أيضا أحد الطباخين في قصر فرعون. حتى شعب بني إسرائيل تردد في الإيمان بالنبي الذي جاء لينقذهم من هذا الذل، وذلك من شدة القهر والجبن والخوف الذي ربوا عليه. وقد أخبرنا الله عز وجل بذلك في كتابه الكريم: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} (يونس: 83).
مرت السنوات، وابتلى الله سبحانه وتعالى شعب مصر بآيات كثيرة في تسع آيات إلى فرعون وملئه، لكن هؤلاء لم يؤمنوا أبدا، وكلما جاء نبيهم بآية إلا كذبوه بها، حتى طمس الله على قلوبهم، وأذن لموسى عليه السلام أن يخرج بقومه من مصر، فطلب موسى عليه السلام من بني إسرائيل أن يخرجوا معه وتم الخروج الكبير المعروف، من مصر إلى خليل السويس على وجه التقريب، ولما أحس القوم بأنهم مدركون، أوحى الله تعالى إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر فانلفق إلى قسمين لينجي الله موسى ومن آمن معه ويغرق فرعون وجنده ويكونوا عبرة للعاملين، والراجح أن فرعون ذلك الزمان هو رمسيس الثاني الذي مازالت جثته محنطة إلى يومنا هذا.
لم تكن أعداد بني إسرائيل الذين هاجروا مع موسى عليه السلام كبيرة، فلم يؤمن مع موسى إلى القليل. وبعدما عبروا إلى سيناء وجدوا قوما وثنيين يعبدون شجرة من دون الله تعالى، فقالوا لنبيهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة! هذا بعدما أنجاهم الله عز وجل بمعجزة باهرة، وأرجلهم لم تجف بعد من مياه البحر!
{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (سورة الأعراف :138)
في هذه الفترة ذهب موسى عليه السلام إلى تلقي الألواح في الطور، وأخبر قومه انه سيغيب عنهم 30 ليلة، فلما تأخر عليهم بعشر ليال أخرى، عبد قومه العجل من بعده، مع أن موسى ترك بينهم نبيا من أنبياء الله تعالى وهو هارون عليه السلام.
لقد آذى بنو إسرائيل نبيهم موسى كثيرا وهو الذي بعثه الله سبحانه وتعالى لينجيهم من فرعون وكيده، وهذه المرة يعبدون غير الله عز وجل في فترة غيابه، بل إنهم لكادوا يقتلون أخاه هارون لما نهاهم عن ذلك. وقد قتلوا بعد ذلك الكثير الكثير من أنبيائهم.
ثم جاء موسى عليه السلام بعد ذلك، وحرق العجل وألقاه في البحر كما هو معروف في القصة.
دخول الأرض المقدسة
أخذ موسى هذه المجموعة من قومه معه ليدخل بهم إلى الأرض المقدسة، فلما وقفوا أمام أسوارها، وأمرهم موسى بما أمرهم الله تعالى:
{ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ } (المائدة:21)
لقد كتب الله لكم هذه الأرض لأنكم من المؤمنين، فإن بدلتم الإيمان فإنكم لا تستحقون هذه الأرض. فماذا كان رد قومه؟
{ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } (المائدة:22)
هؤلاء القوم الجبارون هم الكنعانيون الذين عاشوا في أرض فلسطين قبل دخول اليهود إلى فلسطين ب 1400 سنة، وهناك الكثير من الروايات والأساطير العجيبة التي صيغت على هؤلاء الكنعانيين في كتب اليهود والإسرائيليات الفاجرة، وذلك ليبرروا موقفهم الجبان ورفضهم أمر نبيهم أن يدخلوا هذه الأرض المقدسة.
{قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)} (المائدة:23-25)
فماذا قال سبحانه وتعالى ؟ {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } (المائدة: 26)
ومات موسى عليه السلام في فترة التيه هذه، وطلب من الله تعالى أن يدينه من القدس رمية بحجر، ليكون قبره قريبا من القدس، وبالفعل أدناه الله تعالى من القدس، ومع قرب بني إسرائيل من القدس إلا أنهم لم يجدوا الطريق إليها.
وهكذا يكتب التيه والضلال والبعد وعدم الهدى على كل من يهمل قول الله تعالى وينكر قول الأنبياء.
ماذا حدث لبني إسرائيل في التيه؟ وماذا حدث ليوشع عليه السلام حين أمرهم بالدخول؟ وماذا حدث بعد هذا الدخول؟ هذا ما سنراه في الحلقة القادمة بعون الله.
إعداد آسية لوزي
حماة الأقصى
ملخص الحلقة الأولى من سلسلة خط الزمن للدكتور راغب السرجاني
اقرأ كذلك:
سلسلة خط الزمن: المقدمة
سلسلة خط الزمن الحلقة 2 – فلسطين في العصر البرونزي القديم
سلسلة خط الزمن الحلقة 3 – فلسطين في العصر البرونزي المتوسط
















تونس - في الكون أرض .. في الأرض فلسط...
في الكون أرض .. في الأرض فلسطين .. ف...