الشهيد "يوسف مصطفى الكردي"

في السادس من شهر تموز لعام 1987م كانت رفح الإباء مخرجة الرجال على موعد مع ميلاد فارس من فرسانها وأسدا طالما تقدم صفوف القتال والدفاع عن حياضها ، يوسف ذلك الشاب الذي فاحت سيرته أرجاء رفح وتمنى القاصي والداني قربه وحبه.
نشأ يوسف في أحضان أسرة تعود أصولها إلى بلدة أسدود في فلسطين المحتلة ، وتنقل في رحلته الدراسية بين مدارس رفح ليدرس الابتدائية في مدرسة ابن سينا وينتقل إلى مدرسة أخرى لينهي فيها الإعدادية وحصل على شهادة الثانوية العامة من مدرسة بئر السبع الثانوية.
منذ صغره لزم يوسف المساجد، فترعرع شابا متخلقا و ملتزما التزاما قل نظيره، و يشهد له مسجد الأبرار حضورا إلى صلاة الجماعة باكرا ، منافسا على الصفوف الأولى ومقبلا على الله ، وكان يخرج إلى بعض المساجد داعيا إلى الله باذلا نفسه ووقته في سبيل نيل رضى ربه وطلبا للعلم الشرعي، هذا وشهدت الأعوام الأخيرة من حياة شهيدنا إقبالا شديدا على الطاعات من مداومة على صيام السنن و النوافل، كما عرفت له دقائق الليل قدما منصوبة بين يدي ربه وعينا تفيض خوفا من مولاها.
وكان شهيدنا حسن الهيئة بهي الطلعة ملتزما بسنة نبيه في إعفاء لحيته ولزوم ارتداء ما ورد عن ارتدائه صلى الله عليه وسلم ، وفي وصفه قال أحد إخوانه "كان روحانيا من أهل الجنة يمشي على الأرض "، واعتادت المصاحف أنامل يوسف يفتحها ويردد الآيات تاليا ومحافظا على ورده اليومي ، وأصبح جل كلامه كلام دين وإيمان لا يحب الحديث في الدنيا وتوافه الأمور . وكان مما يتمنى أن يسافر إلى بلد الله الحرام لأداء عمرة يقتدي فيها بخير من وطئت قدماه الأرض.
كان يوسف كثيرا ما يردد الدعاء "اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي " ، وكان رحمه الله بارا بأبويه وحريصا على رضا والديه ، حتى أن أباه وجد فيه طاعة وإقبالا على مساعدته ليست في سائر إخوانه ، وقبل خروجه من بيته اعتاد المناداة على أمه قائلا : " سامحيني أمي هيني طالع " ، وكان يهب جميع راتبه لأهل بيته لا يأبه بنفسه أن يترك مصروفا في جيبه ، وتميز يوسف بزهده وقلة طعامه وشرابه يأكل من يبس الطعام ويفترش الحصير مع وفرة الفراش الوثير ، ومما يذكر عنه في ختام أربعين يوما كان قد خرجها في سبيل الله أنه أقبل يفتش في حاجيات أخ له رافقه في خروجه فسأله أخوه عما يبحث وكان قد خبأ عن يوسف ملابسه بعد علمه نيته بغسلها فأجابه يوسف : ابحث عن ملابسك أريد غسلها ، فقال له أخوه خبأتها ولا أريد منك غسلها والآن سأعود للبيت وأغسلها ، فأبى يوسف وأقسم أن يغسلها وأخذ يماطل أخاه حتى أعطاه ملابسه فغسلها .
هذا وقد عرف عن يوسف حرصه في أيام رمضان أن يوزع التمر والماء على الصائمين ، كما كان يكتفي بالإفطار على التمر والماء ويجهز الطعام لغيره فكان صاحب خبرة في إعداد الطعام لإخوانه وكان رحمه الله يبقى واقفا على خدمتهم ويطلب منهم المناداة عليه في حال نقص عندهم شيء ليقوم بجلبه فورا ، وبعد انتهائهم يقوم بتنظيف الصحون والأواني فلله دره من شاب خدوم ومتواضع. أما عن بذل المال فكان يوسف لا يتوانى أن يساهم بماله لأجل صندوق خاص بنشاطات إخوانه وكان يبادر في دفع القسط الشهري المطلوب منه لأجل الدعوة والحركة.
هذه الصفات وغيرها جعلت إجماعا من قلوب الجميع على حبه فهو الذي لا يذكر إخوانه إلا بكل خير ولا يحمل في نفسه حقدا أو ضغينة على أحد وتراه دائم المسامحة وكثير الصفح عمن أساء إليه .
تفطر قلب يوسف أبي عبادة حبا للدين وغيرة عليه ، وحمل بين جنابته رغبة جامحة في التضحية لأجل رفعة الإسلام وعز المسلمين والتحكيم لشرع الله في أرضه ، فالتحق بركب الحركة الإسلامية في فلسطين حركة حماس ، فعاش يبغض المنافقين واليهود ونما في قلبه حب قتالهم وقتلهم ، وبعد إلحاح طويل منه تمت الموافقة على قبوله ليكون جنديا قساميا يمتشق السلاح ويعانق البندقية يقارع المحتل فكان الرافض لظلمهم المعاند لجبروتهم ونعم المعاند ، ونال أبو عبادة ثقة إخوانه في الكتائب حتى أصبح عضوا في وحدة الدروع وأثبت إقدامه في عملية الحسم العسكري التي قام بها القسام ضد المنفلتين في الأجهزة الأمنية فكان أكثر وأمهر رام لقذائف الياسين على مستوى مدينة رفح ، ودون كلل أو ملل عمل أبو عبادة في جهاز الإشارة التابع لكتائب القسام يبث روح الجهاد بين المجاهدين ويصدر لهم التعليمات العسكرية بعد عمله في قوة التدخل وحفظ النظام التابعة لجهاز الشرطة الفلسطينية ، كما وعمل مراسلا للمكتب الإعلامي التابع للقسام بين رفح وباقي المناطق.
الله الله فيك يا ابن الكتائب يا من تقدمت الصفوف وأخلصت العمل لمولاك والشوق للقياه حداك، لله درك وأنت تأبى التخاذل والقعود مع الخوالف وتحرص على دفع ضريبة النصر لهذا الدين ، بل وتأبى أن تكون جنديا كما هم الجنود فكنت ملحاحا تود تقدم الصفوف ، وبعد استشهاد أخيه المجاهد أسامة الغوطي طالب ملحا على إخوانه في الكتائب بأن يقوم بعملية استشهادية يفجر نفسه في هؤلاء الصهاينة الأوغاد يرديهم بين قتيل وجريح ينتقم لدماء الشهداء الميامين، وظل هذا الحلم يرواد يوسف في مسيرته الجهادية حتى خفف وطأة طلبه لعملية استشهادية قبوله في وحدة الاستشهاديين الخاصة بكتائب القسام وكاد يطير فرحا عند سماعه هذا النبأ لإيقانه أنه بات بمقربة من تحقيق مناه بأن يعود برأس صهيوني أو يعود بجندي أسير أو يحمل على الأعناق شهيدا.
وعمل أبو عبادة كأحد هؤلاء الشهداء الأحياء فالتحق بدورة خاصة تجهيزية أبدى خلالها صبرا قل نظيره على مشقة التدريب ، وخرج في أعمال خاصة أوكلت إليه من قبل قيادة الكتائب وشارك في مهمات رصد ورباط متقدم فكان متميزا بقوة قلبه وشجاعته وجرأته اللا محدودة ، وحرص شهيدنا على أن يكون أول المستقبلين للقوات الخاصة والآليات العسكرية فكان مكانه أول الأماكن في صفوف الرباط المتقدم ، ولم تزل البسمة تساكن محياه وهو ينطلق إلى الصفوف المتقدمة فرحا بمنالها لا يأبه الموت ونزال الأعداء .
وفي ليلة مباركة من أيام الله كانت فيها أم محمد والدة يوسف بجوار الكعبة المشرفة في أداء نافلة العمرة تبغي ثواب الله رأت في منامها يوسف قد استشهد وكان ذلك عام 2002م ، وتمضي الأيام والأعوام وأبو عبادة على أحر من الجمر ينتظر بشغف وشوق ذلك الموعد ، ويكابد شهيدنا الليل الطويل مصابرا ومرابطا حتى أنه قضى ليالي شهر رمضان الأخير في حياته جميعها مرابطا على ثغور المسلمين تبيت منه العيون ساهرة تتربص بأعداء الله ، وخلال الحرب التي أعلنها الصهاينة المحتلون ليستأصلوا شأفاة هذا الدين في قطاع غزة متغافلين أن الإسلام متجذر في قلوب أبناء هذا الشعب المرابط وعميق في نفوس المجاهدين ، وأن في انتظارهم خلف الحدود أسد مغاوير منهم أبو عبادة ينتظرونهم بإيمانهم وعتادهم القليل على أحر من الجمر لينسوا اليهود وساوس الشيطان ، وأمضى يوسف ليالي العدوان بين العمل في جهاز الإشارة والتقدم في صفوف الاستشهاديين بائعا دمه وماله ووقته لله وإبتغاء الشهادة في سبيل الله وبلوغ الجنة التي وعد الله عباده المجاهدين ومكررا قوله لأمه التي كانت قلقة عليه " أندع اليهود يدخلون علينا ونحن في بيوتنا ".
وفي مساء يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر يناير عام 2009 م الموافق لليوم التاسع عشر من العدوان الصهيوني على قطاع غزة ، جاءت إشارة إلى المجاهدين بتقدم للآليات على الحدود الشرقية لرفح ، ليستنفر المجاهدون الصادقون طاقاتهم بغية صد هذا الاجتياح والرد على هذا العدوان من خلال حوار الدماء الذي فهموه ، وهب يوسف ملبيا نداء حي على الجهاد لم يتلكأ برهة من الزمن ، ونصب عينيه ذلك الصيد الثمين القادم ، وفور وصول أبي عبادة إلى مكانه في الرباط المتقدم هيأ قاذفه يود النيل من أعداء الله اليهود ، وإذ بطائرة استطلاع تحلق في المكان ترصد يوسف في مكانه المتقدم لتطلق عليه صاروخا أصابه إصابة مباشرة ، ويسقط المجاهد نازفا عميق جراحه ، ويذكر أول الواصلين لإنقاذ يوسف أنه وجده في الرمق الأخير وفي أثناء محاولته سحبه صدع يوسف بكلمة التوحيد أربع مرات دوت كلمة لا إله إلا الله منه المكان ، وفاضت روحه إلى السماء وليتحقق الحلم الذي كان على أعتاب الكعبة المشرفة في رحاب الأرض المقدسة.
رحمك الله يا يوسف "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون"صدق الله العظيم.
إعداد:محمد الطاهري
















تونس - في الكون أرض .. في الأرض فلسط...
في الكون أرض .. في الأرض فلسطين .. ف...