معلم الخير
عبادة بن الصامت

إنه الصحابي الجليل أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي من أوائل من أسلم بالمدينة المنورة وبايع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيعتي العقبة الأولى والثانية ، واختاره النبي -صلى الله عليه وسلم- ضمن الاثنى عشر نقيبا الذين قاموا بنشر الإسلام بين الأوس و الخزرج.
وواحد من أولئك الذين قال فيهم رسول الله: (لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا، لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار) البخاري.
وقد شهد بدرًا وأحدًا والخندق والغزوات كلها مع رسول الله، ولم يتخلف عن مشهد، وهو أحد الذين ساهموا في جمع القرآن زمن النبي.
كانت عائلة عبادة -رضي الله عنه- مرتبطة مع يهود بني قينقاع بحلف قديم ، حتى كانت الأيام التي تلت غزوة بدر وسبقت غزوة أحد ، فشرع اليهود يتنمرون ، وافتعلوا أسبابا للفتنة على المسلمين ، فينبذ عبادة عهدهم وحلفهم قائلا :( إنما أتولى الله ورسوله والمؤمنين ) فيتنزل القرآن محييا موقفه وولائه قائلا في آياته:( ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) .
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يتحدث عن مسؤلية الأمراء والولاة، سمعه يتحدث عليه الصلاة والسلام، عن المصير الذي ينتظر من يفرّط منهم في الحق، أو تعبث ذمته بمال، فزلزل زلزالا، وأقسم بالله ألا يكون أميرا على أثنين أبدا. ولقد برّ بقسمه، ففي خلافة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، لم يستطع الفاروق أن يحمله على قبول منصب ما، الا تعليم الناس وتفقيههم في الدين. أجل هذا هو العمل الوحيد الذي آثره عبادة، مبتعدا بنفسه عن الأعمال الأخرى، المحفوفة بالزهو وبالسلطان وبالثراء، والمحفوفة أيضا بالأخطار التي يخشاها على مصيره ودينه. وهكذا سافر الى الشام ثالث ثلاثة: هو ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء حيث ملؤوا البلاد علما وفقها ونورا. وأقام عبادة بحمص وأبو الدرداء بدمشق ومعاذ بفلسطين ، ومات معاذ عام طاعون عمواس ، وصار عبادة إلى فلسطين ، وكان أول من ولي قضاءها وكان يحكمها آنذاك الخليفة معاوية.
كان عبادة بن الصامت وهو ثاو في الشام يرنو ببصره الى ما وراء الحدود، الى المدينة المنورة عاصمة السلام ودار الخلافة، فيرى فيها عمر ابن الخطاب، رجل لم يخلق من طرازه سواه!! ثم يرتد بصره الى حيث يقيم، في فلسطين، فيرى معاوية بن أبي سفيان، رجل يحب الدنيا، ويعشق السلطان. وعبادة من الرعيل الأول الذي عاش خير حياته وأعظمها وأثراها مع الرسول الكريم، الرّعيل الذي صهره النضال وصقلته التضحية، وعانق الاسلام رغبة لا رهبة، وباع نفسه وماله. عبادة من الرعيل الذي رباه محمد بيديه، وأفرغ عليه من روحه ونوره وعظمته. واذا كان هناك من الأحياء مثل أعلى للحاكم يملأ نفس عبادة روعة، وقلبه ثقة، فهو ذلك الرجل الشاهق الرابض هناك في المدينة "عمر بن الخطاب". فاذا مضى عبادة يقيس تصرّفات معاوية بهذا المقياس، فستكون الشقة بين الاثنين واسعة، وسيكون الصراع محتوما.. وقد كان!!
يقول عبادة رضي الله عنه:" بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نخاف في الله لومة لائم". وعبادة خير من يفي بالبيعة، واذن فهو لن يخشى معاوية بكامل سلطانه، وسيقف بالمرصاد لكل أخطائه. ولقد شهد أهل فلسطين يومئذ عجبا.. وترامت أنباء المعارضة الجسورة التي يشنّها عبادة على معاوية الى أقطار كثيرة من بلاد الاسلام فكانت قدوة ونبراسا. وعلى الرغم من الحلم الواسع الرحيب الذي اشتهر به معاوية فقد ضاق صدره بمواقف عبادة ورأى فيها تهديدا مباشرا لهيبة سلطانه. ورأى عبادة من جانبه أن مسافة الخلاف بينه وبين معاوية تزداد وتتسع، فقال لمعاوية: "والله لا أساكنك أرضا واحدة أبدا" وغادر فلسطين الى المدينة.
كان أمير المؤمنين عمر، عظيم الفطنة، بعيد النظر، وكان حريصا على ألا يدع أمثال معاوية من الولاة الذين يعتمدون على ذكائهم ويستعملونه بغير حساب دون أن يحيطهم بنفر من الصحابة الورعين الزاهدين والنصحاء المخلصين، كي يكبحوا جماح الطموح والرغبة لدى أولئك الولاة، وكي يكونوا لهم وللناس تذكرة دائمة بأيام الرسول وعهده. من أجل هذا لم يكد أمير المؤمنين يبصر عبادة بن الصامت وقد عاد الى المدينة حتى سأله:" ما الذي جاء بك يا عبادة"...؟؟ ولما قصّ عليه ما كان بينه وبين معاوية قال له عمر: " ارجع الى مكانك، فقبّح الله أرضا ليس فيها مثلك!! ثم أرسل عمر الى معاوية كتابا يقول فيه: " لا إمارة لك على عبادة"!! أجل ان عبادة أمير نفسه. وحين يكرّم عمر الفاروق رجلا مثل هذا التكريم، فانه يكون عظيما. وقد كان عبادة عظيما في ايمانه، وفي استقامة ضميره وحياته.
أما بطولته العسكرية فقد تجلت في مواطن كثيرة فعندما طلب عمرو بن العاص مددا من الخليفة لاتمام فتح مصر أرسل اليه أربعة آلاف رجل على رأس كل منهم قائد حكيم وصفهم الخليفة قائلا: (اني أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل بألف رجل) وكان عبادة بن الصامت واحدا من هؤلاء الأربعة الأبطال. وقد تجلت مهارته كذلك في مفاوضاته للمقوقس حاكم مصر ولم يتزحزح عن شروطه التي عرضها عليه بالاسلام أو الجزية أو القتال فحاول المقوقس أن يطلب من الوفد المفاوض أن يختاروا واحدا غيره فلم يرضوا بغيره بديلا واستؤنف القتال وتم فتح مصر وكان فتح الاسكندرية على يديه اذ أنها عاصمة مصر آنذاك. وعندما توجهت جيوش المسلمين بحرا لفتح جزيرة قبرص عام (28هجري 648م) كان عبادة بن الصامت و زوجته أم حرام بنت ملحان من بينهم، وتحقق للمسلمين النصر وظفر عدد غير قليل من المسلمين بالشهادة ومن بينهم أم حرام التي استشهدت فور نزولها على البر فدفنت في الجزيرة ولايزال قبرها حتى الآن يعرف بقبر المرأة الصالحة.
ولمّا حضرت عبادة -رضي الله عنه- الوفاة قال : أخرجوا فراشي إلى الصحن -أي الدار- ثم قال : اجمعوا لي مَواليَّ وخدمي وجيراني ، ومن كان يدخل عليّ، فجمعوا له ، فقال :( إنّ يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي عليّ من الدنيا ، وأول ليلة من الآخرة ، وإني لا أدري لعلّه قد فرط منّي إليكم بيدي أو بلساني شيء، وهو -والذي نفس عبادة بيده- القِصاص يوم القيامة ، وأحرج على أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي، فقالوا : بل كنت مؤدباً، قال : اللهم اشهد. ثم قال : أمّا لا فاحفظوا وصيّتي: أحرّج على انسان منكم يبكي علي ، فإذا خرجت نفسي فتوضؤوا وأحسنوا الوضوء ، ثم ليدخل كلّ انسان منكم المسجد فيصلي ثم يستغفر لعبادة ولنفسه ، فإن الله تبارك وتعالى قال "واسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ والصّلاة" (سورة البقرة آية 45)، ثم أسرعوا بي إلى حفرتي ، ولا تُتبِعُوني ناراً ، ولا تضعوا تحتي أرجواناً .
وفي العام الهجري الرابع والثلاثين، توفي بالرملة في أرض فلسطين -وقيل ببيت المقدس- هذا النقيب الراشد من نقباء الأنصار والاسلام، تاركا في الحياة عبيره وشذاه، فرضي الله عنه وأرضاه.
اللهم نور طريقنا واجعل من حياة هؤلاء الصالحين قدوة لنا في زمن غلبت فيه الدنيا علينا وتولينا بظهورنا عن الطريق المستقيم، اللهم اهدنا لاسترجاع الأرض التي ولي قضاءها هذا الصحابي الجليل ولنصرة الشعب الذين نعم أجدادهم بعدله وإحسانه. اللهم آمين يا رب العالمين.
يلال السنتيسي
حماة الأقصى
















تونس - في الكون أرض .. في الأرض فلسط...
في الكون أرض .. في الأرض فلسطين .. ف...