
يبدو العنوان غريباً، وربما حين يظهر السبب، ويبطل العجب، قد أكون معذورة عند قارئي الكريم، وأصل السبب، أنني في إحدى المرات، فتحت التلفاز على فضائية مغربية، أتطلع إلى أحوال البلد، وأستقصي عن آخر أخباره، وكان أن تزامن ذلك مع موعد عرض برنامج "ساخر" ، أحيانا تنطبق الأوصاف على الأشياء بشكل مثير للدهشة، يستضيف فيه مقدمه، ال"فنانَ" الشهيرَ، أحد مبدعي فن "الراب" المغربي.
وكنت شاهدة على من وقفوا يسخرون من اللغة العربية، التي يعتبرها الفنان القدير ومؤيدوه غير صالحة لإيصال الرسالة السامية التي يقدمها عبر أغانيه "الصريحة"، وهو يزيد على ذلك بأنه يعتبر نفسه صريحاً، صريحاً لدرجة تبرر استخدام كل المصطلحات السوقية والساقطة أخلاقياً والتي تخلو من كل أعراض الحياء أو الاستحياء.
ما استرعى انتباهي كذلك، حين صفق الجمهور للفنان، لكونه من أوائل الذين أخرجوا إلى حيز الفضاء اللغوي المغربي العبارة الشهيرة "مغاربة حتى الموت".
وتساءل الجميع عن السر وراء هذه العبارة، وكيف تكون مغربياً حتى الموت، "أن تظل محتفظا بجنسيتك المغربية حتى الموت"؟ أم أن تنطق " أنا مغربي" وأنت تلفظ معها أنفاسك الأخيرة؟ أم ربما، ولأننا جبلنا على حسن الظن، "أن تبقى وفيا لانتمائك لبلدك المغرب" بكل ما يضاف إلى لفظة الانتماء من انتماء ديني وقومي وثقافي ...الخ.
نحن مغاربة حتى الموت، صحيح أننا نعاني اليوم من مليون ألف مصيبة، تبدأ من يوم ولادتك ولا تنتهي يوم مماتك، تتزايد باطراد ولا تتوقف حتى عندما تكون "السوق واقفة"، وتتلون حسب الفصول والشخصيات التي تأتي بها الأيام إلى دفة صناعة القرار..
وصحيح أننا أصبحنا في هذا الزمان لا نعرف أنفسنا، فشبابنا يلبس سراويل ضيقة، ويأتون بحركات من قبيل الصرع الحديث، على أعتاب سيدهم تيكتونيك، وبين كوادر المستقبل منهم وبين فهم اللغة العربية الفصحى مسيرة أجيال لأنهم تعودوا أن يقولوا: بونجور، سافا؟ في كل صباح، وكلنا بمجموعنا صرنا كحال الغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحمامة، فلا هو أصبح حمامة، ولا عرف كيف يمشي كما كان غراباً أصيلاً.
و ربما ما لايعرفه الفنان القدير وأصحابه، أننا ربما نختلف في الأسباب التي تجعلنا مغاربة حتى الموت، لأنه لاشك لا يتذكر لون الموت الذي واجهناه وهزمناه يوم كنا خلف يوسف بن تاشفين، نعيد الأندلس إلى حظيرة الإسلام، ونزيد في عمرها ثمانمئة سنة أخرى، ونعيد توحيد البلاد من جنوب فرنسا إلى جنوب نهر السنغال لا تدين إلا بلا إله إلا الله، محمد رسول الله. وتركنا للتاريخ معارك كمعركة الزلاقة، شامة عز في جبين المغرب.
وكذلك لاشك من أنه ينسى، كيف دمر الأسطول المغربي سنة 1802 م، الأسطول البحري الأمريكي، نعم الأمريكي، وألحق به شر هزيمة، دفاعاً عن جارته ليبيا إبان الحروب الطرابلسية، وكيف قامت معركة إسلي بين فرنسا والمغرب بسبب مساعدة السلطان المغربي المولى عبد الرحمان للمقاومة الجزائرية واحتضانه للأمير عبد القادر.
والمعارك في تاريخ المغرب تطول، وأجملها، حين تطوع المغاربة في جيوش نور الدين وابنه صلاح الدين الأيوبي، ذوذا عن حمى قبلة المسلمين الأولى، ورغبة من المغاربة في المشاركة في شرف الجهاد وصد الصليبيين، وعودة القدس التي طالما أحببناها وشددنا الرحال إليها، والأقصى الذي يَذكُر جدي وجدك أنه لا مجال للحج دون المرور على أرض الشام، ومجاورته والصلاة فيه قبل العودة إلى المغرب الأقصى..
بل إنه بعد الفتح العظيم في معركة حطين، اعتاد المغاربة أن يجاوروا قرب الزاوية الجنوبية الغربية لحائط الحرم الشريف، وهي أقرب مكان من المسجد الأقصى. فوَقَفَ الملك الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي هذه البقعة على المغاربة عرفاناً منه بفضلهم. وسُمي الحي منذ ذلك الحين باسم حارة أو حي المغاربة، وكان يضم بالإضافة إلى المنازل عديداً من المرافق، أهمها المدرسة الأفضلية التي بناها الملك الأفضل و سميت باسمه. وكل هذا ضاع واستولى عليه اليهود سنة 1967م.
هذه هي النماذج التي يجب أن تظل حية في نفوسنا، هذا انتماؤنا وهذه هويتنا، وهذه هي البوصلة التي وجب أن تظل نصب أعين المغاربة، المغاربة المحافظون الذين عرفهم التاريخ حماة للدين وأعراض المسلمين، عرفهم يهبون حين الواجب، حتى وإن أصابتهم مصيبة، فإنهم ينفضونها من على ظهورهم وينتفضون للحق ولا يخافون في ذلك حتى الموت.. وهؤلاء كانوا يا أيها الفنان، مغاربة، حتى الموت، وأحفادهم لابد أن يكونوا على دربهم، مغاربة حتى الموت على أعتاب الأقصى..
حماة الأقصى






