
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) {الاسراء:1}
إن القدس هي بؤرة الصراع بين الحضارات المتعاقبة على منطقتنا منذ قبل التاريخ, فعندما جاء التاريخ نزل في القدس فوجد الحضارات تتصارع عليها, كل حضارة تريد أن تستخلصها لنفسها, ثم جاء الإسلام وحررها من الروم فهدأ الصراع عليها إلى حين.
ولكن بعد ستة قرون من الزمن تقريبا اشتعل الصراع من جديد, حيث عاد الروم الصليبيون الغربيون بخيلهم ورجالهم ليستخلصوها من المسلمين, وكانت عودتهم على شكل حملات عسكرية متتابعة بلغت حوالي خمس حملات على مدى مئتي عام, وكان شعار هذه الحملات الصليبية هو تحرير (القبر المقدس) في القدس من أيدي الوثنيين المسلمين حسب زعمهم, فكانت القدس هي محور الصراع وبؤرته في الحروب الصليبية الأولى قبل ثمانمائة عام, حيث احتلها الصليبيون ما يقارب تسعين عاما إلى أن بعث الله البطل (صلاح الدين الأيوبي الكردي) فاستعادها منهم بعد أن هزمهم في (معركة حطين الخالدة) في عام 1187, ومن ثم جاء من بعده بمئة عام المملوكي (الخليل بن قلاوون) فقضى على الحملات الصليبية نهائيا.
وفي (معركة عكا الخالدة) التي حصلت في عام 1291م الموافق 690 هجري, حيث قدر الله بأن يستعيد المسلمون (عكا) من الصليبين في اليوم نفسه بالضبط و الساعة نفسها من عام 587 هجري التي احتلت به, وقبل مئة عام تقريبا وفي مطلع القرن العشرين عاد الصليبيون من جديد وكانت القدس هدفهم, ومنذ ذلك الحين والقدس في عين الإعصار وعنوان الصراع المحتدم بيننا وبين الغرب الصليبي الذي يشن علينا حربا صليبية جديدة قائمة منذ الحرب العالمية الأولى والتي يُشكل اليهود رأس الحربة فيها, حيث يحدث أول مرة في التاريخ تحالف بين اليهود والنصارى, فمن المعروف أن جميع دول أوروبا النصرانية اضطهدت اليهود, وهذا التحالف ليس له غاية أو هدف إلا مُحاربة المسلمين, فالكيان اليهودي في فلسطين ما هو إلا مشروع صليبي غربي ورأس حربة في مُحاربة المسلمين وأكبر دليل على ذلك تصريح الجنرال البريطاني (اللنبي) قائد قوات الحُلفاء الصليبية في الحرب العالمية الأولى التي احتلت القدس, وهو يدخل القدس من (باب الخليل) وهوأحد أبواب القدس حيث صرح وهو على صهوة جواده ((الان انتهت الحروب الصليبية)). فهذا التصريح الذي لا زال يُدّوي في التاريخ ويستفز مشاعر المسلمين يُوضح حقيقة المعركة, حيث قصد بتصريحه بأن المعركة الصليبية كانت مستمرة منذ أن حرر (صلاح الدين الأيوبي) القدس منهم بعد (معركة حطين) وهزيمته ل(ريتشارد قلب الأسد) إلى أن عادوا إلى احتلالها مرة أخرى, وعندما دخل الفرنسيون دمشق بقيادة (الجنرال غورو) كان أول عمل قام به (غورو) ذهابه الى قبر (صلاح الدين الأيوبي) في المسجد الأموي ووكزه بسيفه وبمنتهى الحقد قائلاً له (قم يا صلاح الدين فقد عدنا أخيراً).
ذلك أن اقتراح توزيع السيادة في القدس على الأديان الثلاثة ما هو إلا نقض للعُهدة العمرية التي لا يملك أحد من المُسلمين نقضها، وهو اعتداء على عقيدة المسلمين واستفزاز لمشاعرهم، وهو تطاول على الإسلام والمسلمين ومصادرة لحقهم بالقدس كاملة غيرمنقوصة، وهو استسلام لإرادة اليهود وليس سلاماً, وهو تثبيت لما عجز اليهود بكل ما أوتوا من قدرة على الكذب والخداع والتزوير والتزييف عن إثباته.
وبماأن الله علام الغيوب يعلم بأن الصراع على القدس سيستمر إلى يوم الدين, وأن أمتنا سيُصيبها الضعف والهوان في بعض المراحل التاريخية وستضيع فيها القدس كما حصل في الحروب الصليبية الأولى واستيلاء اليهود عليها الان, وبأنه سيظهر في أمتنا في هذه المراحل أمثال هؤلاء من الذين يدعون إلى التفريط بالقدس ويتبنون البعد العقائدي اليهودي المزور والمفبرك, من أجل ذلك لم يكن عبثا أن سجل الله سبحانه وتعالى القدس ومسجدها الأقصى في كتابه عندما أسرى بعبده محمدا صلى الله عليه وسلم إليه, فكل من يطعن في هذا التسجيل فهو خائن وعدو لله ورسوله وللمؤمنين ومنحاز لليهود الظالمين الغاصبين، ولم يكن بغير حكمة من الله سبحانه وتعالى أن جعل الله "بيت المقدس" القبلة الأولى للمسلمين ولمدة ستة عشرة شهراً، ولم يكن بغير قصد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا ينطق عن الهوى عندما ربط المسجد الأقصى بمكة والمدينة عندما جعل من المسجد الأقصى ثالث مسجد يشد المسلمون له الرحال بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة، ولم يكن عفواً مجيء الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه إلى القدس لاستلام مفاتيحها من راهبها (صفرونيوس) ولم يذهب لاستلام "المدائن" عاصمة كسرى و"دمشق" عاصمة قيصر, فهو يعرف منزلتها عند الله ورسوله والمؤمنين ولعلمه عن رسول الله صلى الله عليـه وسلم بأن القدس ستكون محـل صراع دائم بين المسلمين وأعدائهم من أهل الكتاب وخصوصا أشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود الذين ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يعترفون بالإسلام خاتم الديانات، فكانت (العهدةالعمرية) وثيقة تاريخية اعترف بموجبها سكان القدس من أهل الكتاب من النصارى بالسيادة الإسلامية عليها، واشترط أهل القدس من النصارى في هذه الوثيقة بأن لا يسكنها أحد من اللصوص واليهود.
فالقدس لنا لا لليهود الظلمة اللصوص شُذاذ الافاق الذين استجلبهم الغرب الصليبي من جميع أصقاع الأرض ليغرسهم كالنبت الشيطاني في فلسطيننا الحبيبة المُباركة ويُسكنهم في تجمعات سرطانية شوهت وجه فلسطيننا الوادعة الجميلة الأرض المباركة.
مدير مركز دراسات وأبحاث الحقيقة الإسلامية















