موقع حماة الأقصى المغربي - قضية فلسطين بعيون مغربية

حرب يائسة في القدس

أرسل إلى صديق طباعة

قبل سنوات طويلة، كان أحد الأخوة من سكان مدينة الرملة يحدثني عن بعض كوارث المناهج الصهيونية التي يدرسها أبناؤنا في الأراضي المحتلة عام 1948 (يافا وحيفا وعكا والرملة والناصرة وبئر السبع التي نسيها الرسميون العرب) رغماً عنهم وخاصة في مجال التاريخ، حيث تمنع سلطات الاحتلال الصهيونية تدريس مناهج عربية أصيلة وإنما تفرض عليهم دراسة تاريخ مشوه معدُّل لا يمت لتاريخ أمتنا بأي صلة.

فمادة تاريخ الحرب العالمية الثانية لا تتحدث عن تلك الحرب العالمية إطلاقاً بل تركز على ما يسمى "المحرقة" النازية و"معاناة" اليهود في ألمانيا..! ومادة (تاريخ الشعب الإسرائيلي) تحاول أن تربط بين "الشعب اليهودي" وأرض فلسطين التي يعتبرها أرضه التاريخية المقدسة دون أدنى اعتبار أو حتى ذِكرٍ لوجود السكان الفلسطينيين الأصليين على مدى التاريخ الطويل الممتد ستةَ آلاف عام..! أما مادة التاريخ الإسلامي فتركز على ما تسميه "طمع" الصحابة في الخلافة وخلافهم عليها بعد استشهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتنة عثمان وحرب علي ومعاوية رضي الله عنهم جميعاً وكأن تاريخ أمتنا يختصر في تلك الأحداث دون غيرها..!

هذا هو التاريخ المزور الذي أراد الصهاينة من خلاله غزو عقول أبنائنا الفلسطينيين في الأراضي التي احتلت عام 1948 وتدمير شخصيتهم لإنتاج جيل لا علاقة له بماضيه ولا يعرف عن نفسه إلا الخزي والعار وبالمقابل يحمل الاحترام والتقدير للمحتل الذي يزور التاريخ ويظهر نفسه كذباً صاحبَ حضارةٍ وتقدمٍ! وقد أنتجت لنا تلك الحرب جيلاً كاملاً كان بعيداً عن دينه وتاريخه وأمته حتى قيض الله لهذا الشعب المنسي من أبنائنا ثلةً من المخلصين انتشلته من هذا المستنقع وفتحت عينيه على تاريخه المجيد وشخصيته الحقيقية العظيمة وكشفت الخدعة الصهيونية، فظهرَ الجيل الجديد الذي هب اليوم لنصرة إخوانهم في القدس ورعاية المقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك.

وها هو المحتل بعد كل تلك السنين يتنبه إلى أهمية هذه الحرب النفسية العقلية الخطيرة، فتراه اليوم يشنها على أهلنا في القدس عبر تحريف مناهج التعليم وخاصة التاريخ، وحذف كل ما يتعلق بفلسطين والانتفاضة والكرامة الفلسطينية من هذه المناهج التي نعتبرها نحن أصلاً أقل من اللازم بعد تدخل مقصات أتباع أوسلو لها تباعاً على مر السنين. فبعد محاولات إدخال ثقافة السلام إلى هذه المناهج نراها لا زالت لا تعجب المحتل الذي يريد أن ينزع الهوية الفلسطينية التاريخية تماماً من قلوب وعقول أبنائنا، فإذا بوزارة المعارف الصهيونية تقدم للمقدسيين مناهج مشوهة تحوي صفحات بيضاء فارغة كانت فيما مضى تذكر فلسطين..! وما هذا إلا إشارة جديدة أخرى على تخبط هذا العدو ومحاولاته اليائسة الآن لتغيير المستقبل وتشويهه عبر إنتاج جيل مقدسي مستقبلي مشوه لا يعرف شخصيته ولا تاريخه ولا دينه، فيما يسعى حتى ذلك الوقت إلى شراء الزمن والمماطلة في حرب استنزافٍ طويلة ضد المقدسيين.

إن هذه الخطة فشلت بامتياز في أراضينا المحتلة عام 1948، فلماذا يظن الصهاينة أنها يمكن أن تنجح هذه الأيام في القدس؟ كيف يتخيل هذا المحتل الصفيق أن شعبنا يمكن أن يتغير في فكره ووعيه بعد أن رأى ما رأى من ضعف وتخبط الاحتلال وبعد أن بدأ يشم رائحة العزة والكرامة من كل مكان؟ وكيف يمكن أن يظن أحد أن جيلنا الذي بدأ يصوغ مستقبلاً منيراً زاهراً يمكن أن ينتج جيلاً آخر ضعيف البنية دون أن يتمكن من نقل تجربته الفريدة في التغيير إليه؟

إن دل ذلك على شيء فإنما يدل في الحقيقة على الفشل المدوي للمشروع الصهيوني ويأسِه من الواقع الذي يعيشه في ظل الربيع العربي الكبير وفي ظل الوقفة الكبرى للشعب الفلسطيني في داخل فلسطين عامةً وفي القدس خاصةً في وجه هذا الاحتلال وتأخير بل إفشال مشروع التهويد الكبير في القدس اليوم. واليأس من الواقع يدفع هؤلاء إلى محاولة التفكير في تغيير المستقبل والمراهنة عليه عبر تغيير المناهج ومحاولة التأثير على الجيل القادم وشراء الوقت ريثما يظهر هذا الجيل، ولكن أظنهم هنا يعرفون الحقيقة؛ فهم كما فشلوا في أراضينا المحتلة عام 1948 بعد ستين عاماً من العمل في ظل ظروف التهميش والنسيان التي كان يعيشها أبناء أمتنا، فهم أحرى بالفشل الذريع والكبير في القدس التي انتفضت وقامت في وجههم وقادت المقاومة وقلبت المعايير وصاغت معادلات التغيير في أمتنا كلها منذ انتفاضة الأقصى خاصة في عصر التغيير الذي نحياه اليوم ونشاهد أحداثه كل يوم.

فشلتم أيها الصهاينة....... فشلتم في البداية، وكتبتم نهايتكم بأيديكم.... فلا تعاندوا التاريخ.

د. عبدالله معروف

أستاذ دراسات بيت المقدس

مسؤول الإعلام والعلاقات العامة السابق بالمسجد الأقصى المبارك

التعليقات (0)
علق
تفاصيل بياناتك:
تعليق:
:D:angry::angry-red::evil::idea::love::x:no-comments::ooo::pirate::?::(
:sleep::););)):0
الحماية
من فضلك أدخل كود منع الرسائل المزعجة الموجود على الصورة.
 

خفيف ظريف

د.ابتهال القسام (حفيدة القائد المجاهد عز الدين القسام ): "إذا لم نستذكر القدس في هذا الشهر العظيم فمتى سنستذكرها"

استفتاء

تتوقع أن تتحرر فلسطين:
 

تصميم الأسبوع