
حرب أكتوبر, أو حرب تشرين أو حرب الغفران, هكذا أطلق على الحرب التي هزت الكيان الصهيوني لأول مرة, و أبانت عن هشاشته بعد نكسة 1967, هكذا سميت الحرب التي أعادت للعرب و المسلمين قليلا من كرامتهم بعد أن غرقوا في مستنقع الذل و الهوان و الهزيمة.
هذه الحرب تحمل في طياتها درسين للمسلمين: أولا أن النصر يتأتى بالإعداد المتقن و العدة على قدر المستطاع, ثم أن شهر رمضان هو شهر العطاء و البذل و الجهاد بكل معانيه.
أطراف الحرب:
كانت الحرب تدور بالأساس بين مصر و السورية من جهة و الكيان الصهيوني من جهة أخرى. إلا أنه كان لكل طرف مناصريه: فكانت الولايات المتحدة, كعادتها ولية الصهاينة, و تدخلت في الحرب لإيقافها و تقليل الخسائر التي تكبدتها حليفتها. أما مصر و سورية, فلاقت دعما عسكريا من عدد من الدول العربية و الإسلامية, في طليعتها: العراق, ليبيا, السعودية, الكويت, باكستان, المغرب, الجزائر, الأردن, السودان, تونس. كما لاقت دعما من كوريا الشمالية, و الإتحاد السوفياتي.
لا يقول أحد أن الكفة كانت لصالح الدول العربية لكثرتهم و كثرة حلفائهم, فإن الدعم الأمريكي كان أكبر كما أن الأسلحة و المعدات العسكرية للكيان كانت أكثر تطورا, و مع ذلك فإن قدر الله سبق, و بارك في إعداد و عدة المسلمين حتى مرغوا أنف الصهاينة و حلفائهم في التراب.
أسباب الحرب:
حرب أكتوبر تأتي ضمن جولات الصراع الدائر بين المسلمين و الكيان الصهيوني. فبعد أن احتل العدو صحراء سيناء المصرية و هضبة الجولان السورية عام 1967-حرب ستة أيام التي انتكس فيها العرب شر انتكاسة-, حاولت الدول العربية منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر رد الاعتبار لأنفسهم, و بيان زيف مقولة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر. كما أن رفض الكيان لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 242 الصادر في 22 نوفنبر 1967, و الذي يطالب العدو بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في يونيو 1967 و يطالب الدول العربية المجاورة لإسرائيل بالاعتراف بها وبحدودها, دعم خيار الحرب لدى هذه الدول.
الخداع و الحرب و المكيدة:
ككل حرب, تلعب الخدعة و المكيدة دورا مهما في تحقيق النصر. و قد اعتمد الجانبين المصري و السوري خطة إستراتيجية لاستعداد سيناء والجولان:
1. دخلت القيادة السياسية في مصر وسورية قبل الحرب في مشروع للوحدة مع ليبيا والسودان. و تدرب الطيارون المصريون في القواعد الليبية وعلى طائرات الميراج الليبية ونقلت الكلية الحربية المصرية إلى السودان بعيدا عن مدى الطيران الإسرائيلي.
2. قامت مصر بمناورات متقطعة جعلت الكيان ينخدع و يستدعي احتياطيه المركزي ويعلن التعبئة العامة خوفا من هجوم مصري مرتقب. وكانت تلك التعبئة توقف الحياة الاقتصادية في الكيان وتكبده ملايين الدولارات, فتجاهل إعلان مصر التعبئة العامة في مناورات الخريف لتجنب خسائرها المالية. لكنها كانت الحرب.
3. أعطيت تعليمات للضباط الصغار بالكليات العسكرية المصرية بمواصلة الدراسة يوم 9 أكتوبر، وسمح للضباط بالحج ، و أعلنت وسائل الإعلام المصرية يوم 4 أكتوبر عن تسريح 20000 جندي احتياط .
4. قبل الحرب بأسبوعين, أعطت القيادة السورية أوامر للمقاومة الفلسطينية باختطاف قطارا ينقل المهاجرين اليهود القادمين من روسيا إلى معسكر شنواة بالنمسا. وكان ذلك بغرض توجيه أنظار إسرائيل السياسية إلى النمسا بعيدا عما يجري على الجبهتين المصرية والسورية. و قد تم الأمر, فقد سافرت رئيسة وزراء الكيان آن ذاك جولدا مائير إلى النمسا لمناقشة الحادث.
5. و في معركة جوية شرسة مع طيران العدو, ضحت سورية ب 15 طائرة سقطت في البحر المتوسط حتى لا تطلق صاروخا واحدا ضد طائرات العدو فتكتشف فاعلية هذه الصواريخ.
6. و لعب الشعب المصري دورا يذكر له في الحرب. و عندما سئل موشي ديان وزير الحرب الصهيوني عن تفوق العرب في الحرب و جهل الكيان بتطور مصر في المجال الإستخباراتي, أجاب أن المصريين ملؤوا سيناء برادارات بشرية ذات عيون تُري وعقول تفكر ثم تعطي المعلومة.
بداية الحرب و إنجازاتها:
فوجئ الكيان الصهيوني ببداية الحرب, فكانت صفعة هزته من أعماقه. فقد اخترق الطيران المصري المشكل من 222 طائرة قناة السويس من دون أن تكشفه الرادارات الصهيونية, بسبب تحليقها على ارتفاع منخفض للغاية. وقد استهدفت الطائرات محطات التشويش والإعاقة في عدد من المناطق و كذلك تجمعات الأفراد والمدرعات والدبابات والمدفعية والنقاط الحصينة في خط بارليف ومصاف البترول ومخازن الذخيرة.
ولقد كانت عبارة عن ضربتين متتاليتين قدر الخبراء الروس نجاح الأولى بنحو 30% وخسائرها بنحو 40 ونظرا للنجاح الهائل للضربة الأولى والبالغ نحو 95% وبخسائر نحو 2.5% تم إلغاء الضربة الثانية. و تم اختراق خط بارليف الذي حصنه الصهاينة أشد التحصين, خلال ست ساعات فقط من بداية المعركة, وأوقعت القوات العربية خسائر كبيرة في القوة الجوية للعدو.
في الوقت نفسه, قام الجيش السوري بهجوم شامل في هضبة الجولان و هاجم التجمعات العسكرية والدبابات ومرابض المدفعية الصهيونية ومحطات الرادارات وخطوط الإمداد. وحقق الجيش السوري نجاحا كبيرا, فقد انكشفت أرض المعركة أمام القوات والدبابات السورية التي تقدمت عدة كيلومترات في اليوم الأول من الحرب مما أربك وشتت جيش العدو.
و في اليوم التالي استولت سورية على القاعدة الإسرائيلي الواقعة على جبل الشيخ, وتوالت انتكاسات العدو حتى طلب المساعدة بصورة عاجلة من الولايات المتحدة لمساندته في الجبهة السورية.
نتائج الحرب:
1. استرداد السيادة الكاملة على قناة السويس
2. استرداد جزء من الأراضي في شبه جزيرة سيناء
3. تحطم أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر
4. كما أن هذه الحرب مهدت الطريق لاتفاق كامب ديفيد بين مصر و الكيان الإسرائيلي الذي عقد بعد الحرب في سبتمبر 1978.
5. عودة الملاحة في قناة السويس في يونيو 1975.
إعداد: حسناء بلقزيز
















تونس - في الكون أرض .. في الأرض فلسط...
في الكون أرض .. في الأرض فلسطين .. ف...