
ولما فعل الإضراب فعله، جاء نوري السعيدي – وزير خارجية العراق - إلى فلسطين في 26/8/1936م، واقترح أن تتخذ اللجنة العربية العُليا إجراءات لوقف الإضراب، على أن تتوسط الحكومة العراقية لدى الحكومة البريطانية لتحقيق جميع مطالب عرب فلسطين.
وافقت اللجنة العربية العليا على الوساطة ولكن الشعب لم يوافق، واستمر الإضراب، وظل الأمر كذلك إلى أن وجه الملوك والرؤساء العرب بيانًا إلى عرب فلسطين يطالبونهم فيه بوقف الإضراب؛ لأن حكومة بريطانيا وعدت بالنظر في مطالبهم. وقبلت اللجنة العربية العليا النداء فدعت إلى وقف الإضراب صباح الاثنين 16 رجب 1355 الموافق لـ 12 تشرين الأول/ديسمبر 1936م.
وقد استغلت السلطات البريطانية وقف الإضراب لتُخْرِج القوات العربية التي دخلت للإسهام في الثورة المسلحة وقد هَبَّت القرى للدفاع عنهم، ولكنهم أُخْرِجُوا إلى شرق الأردن يوم 14/10/1936م وعادوا من حيث جاءوا.
ورغم ذلك فقد استمرت الثورة المسلحة، واستطاعت في ربيع 1938م أن تقود كل فلسطين، وأن تنشئ مراكز وقيادات، وأن تفرض سلطة الثورة على الريف وقطاعات واسعة من المدن. واعتمد مقاتلو الثورة أساليب حرب العصابات الحديثة؛ فكانوا يَتَجَمَّعون في زُمَر صغيرة، ويبادرون بالهجوم ثم ينسحبون، وينظمون الكمائن التي تَشُلّ تحركات العدو. وقد أثبتوا جدارتهم حين اضْطُرُّوا لخوض معارك كبيرة.. ومن معاركهم المشهورة في المرحلة الأولى من الثورة: معركة جبل حريش 24/8/1936، ومعركة بلعا 3/9/36، ومعركة أم الفحم 12/9/36، ومعركة جبع 24/9/36، ومعركة بيت أمرين 29/10/36، ومعركة كفر عبوش 7/10/36.
ثم اتسعت الاشتباكات في الفترة ما بين (1937 - 1939) حتى إن المصادر البريطانية ذكرت أن قوات الثورة قامت بـ 5708 عملية سنة 1938م، و3315 عملية سنة 1939م.
واتبعت السلطات البريطانية لإخماد هذه الثورة مختلف أساليب القمع التي مارستها من قبل إبان ثورة 1936م، فقصفت مناطق الثوار بالطائرات، وهدمت بالجرارات منازل المشتبه في تأييدهم للثوار؛ وهو ما أسفر عن سقوط أربعة آلاف قتيل وقرابة 12 ألف جريح.
وفي إبريل 1947م، أحالت الحكومة البريطانية ملف القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، وأعلنت أنها عازمة على إلغاء انتدابها في مهلة تمتد إلى 15 مايو 1948م، وفي 28 من إبريل شهدت منظمة الأمم المتحدة لأول مرة فتح ملف قضية فلسطين، الذي انتهى إلى قرار التقسيم إلى دولتين: يهودية وتشمل 56.4% من أراضي فلسطين، وعربية تشمل 46.6% من أراضي فلسطين، مع العلم أن العرب حينها كانوا يملكون 94.4% من أراضي فلسطين، واليهود كانوا قد استوطنوا في 5.6% من أرض فلسطين.
رحب اليهود بالقرار، وأعلن العرب الثورة المسلحة ضد تنفيذ المشروع، وبسبب هذا القرار نشبت الحرب في 15/5/1948م، وكانت الحركة الصهيونية قد تمكنت من بناء قوة عسكرية كبيرة ضمن عدة منظمات عسكرية، أهمها: (الهاجاناه)، كما تمكنت بدعم من سلطات الانتداب البريطاني من إنشاء صناعة عسكرية، أما على الجانب الآخر فكان الطرف العربي مكونًا من الثوار الفلسطينيين، وجيش الجهاد المقدس، وجيش الإنقاذ، وقوات المتطوعين المصريين، الذين شكلت جموعهم حركة (الإخوان المسلمين)، التي هبت لنداء القدس غير أن سنن الهزيمة كانت أقوى من الرغبة في النصر.
وكانت نتائج النكبة مروعة إذ ضاعت مساحات كبيرة من أرض فلسطين، وقامت دولة الكيان الصهيوني على أنقاضها، وتم تهجير الآلاف من الفلسطينيين إلى الدول المهاجرة وتغيرت خريطة الحكم في المنطقة العربية، وقامت عدة ثورات عقب الهزيمة المُرّة، كلها كانت بحجة الدفاع عن فلسطين، إلا أن معظمها هو الذي حمى حدود الدولة العنصرية، وتكفل بسحق من دافعوا عن فلسطين قديمًا، ومن يفكر فيها بعد ذلك.
وبعد حرب 1948، دخلت المقاومة الفلسطينية مرحلة جديدة، إذ أصبحت أمام مقاومة دولة ذات أجهزة عسكرية ومؤسسات أمنية بعد أن كانت تقوم على عصابات صهيونية مدعومة من قبل الاحتلال البريطاني. وبعد مضي ثمان سنوات، شهدت المنطقة العدوان الثلاثي لتعلن بعدها مختلف القوى السياسية الفلسطينية ضرورة العودة للمقاومة المسلحة، فظهرت منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، وحركة التحرير الوطني (فتح) التي أعلنت عن أولى عملياتها سنة 1965، وقادت هذه الأوضاع إلى تحفيز الجماهير في فلسطين والأقطار العربية للقتال، وإلى اتجاه القوى المختلفة إلى إنشاء فصائل فلسطينية مسلحة.
كان التحرير الكامل هو الهدف المعلن، والمقاومة المسلحة هي الأسلوب الوحيد، وطرحت المقاومة المسلحة بديلاً للحرب النظامية، ونقيضًا للحل السياسي وترافق مع ظهور المقاومة المسلحة، وخاصة بعد 1967م؛ نشاط سياسي وشعبي واسع، وأخذت تنبثق فعاليات سياسية وشعبية في كل الميادين.
وكانت اللجنة التنفيذية للمنظمة قد بدأت منذ ذلك الحين بإنشاء جيشها ومكاتب إعلامها وثقافتها وعلاقاتها السياسية ومنظماتها الشعبية ومراكزها للتخطيط والصندوق القومي والتعليم، وما لبثت الفصائل أن اتبعتها في ذلك.
وبدا منذ 1965م حتى 1970م أن المقاومة المسلحة هي محور كل النشاطات، ولكن الأمور بدت تتكشف بعد 1970م على أن هناك برنامج اتصالات سياسية يستهدف الحل السياسي.
وحين انتقلت قيادة المنظمة إلى ياسر عرفات سنة 1968م؛ اندمجت "فتح" والفصائل بالمنظمة، وصارت المنظمة هي الإطار الأوسع لكل الفصائل.
وانتشرت قواعد المقاتلين بين 1967م و1970م، حول الكيان الصهيوني في الأردن وسوريا ولبنان، وكانت في هذا الوقت تنمو داخل الأرض المحتلة كلها، وخاصة في الضفة الغربية وغزة؛ حتى تحققت سيطرة شبه تامة على غزة خلال 1970م والنصف الأول من 1971م. واستطاع اتجاه المقاومة هذا وإعلان برنامج التحرير أن يطلق طاقات الشعب داخل فلسطين وخارجها، وقد دفع جماهير من أبناء شعبنا إلى العمل السياسي والشعبي والعسكري، وولد الروح النضالية التي عرفناها في كل المعارك والمواجهات منذ 1965م وحتى الآن، وهذا التيار ظل متدفقًا رغم اتجاه قيادة "م.ت.ف" إلى إنجاز اتفاق أوسلو وتسليمها بمطالب العدو.
ومنذ نهاية 1970م وحتى أوائل 1973م؛ بدأت أطروحات التسوية السياسية – التي كانت محرمة سابقًا – تطفو على السطح وتتغلغل في أجهزة المنظمة والفصائل، وما لبثت أحاديث التسوية أن انطلقت في مشروع الحل المرحلي الذي طرحته الجبهة الديمقراطية بحماية قيادة عرفات.
ومنذ اجتماع المجلس الوطني الثاني عشر في صيف 1974م؛ صار حديث التسوية رسميًّا، وبدأ التغلغل الواسع لأطروحات التسوية ورجالها في بنية المنظمة وبعض الفصائل. وما لبث اتجاه التسوية أن أصبح الاتجاه الرئيسي في القيادة سنة 1977-1978، وعبر معارك خاضها رئيس المنظمة استخدم في بعضها السلاح، وجاء الخروج من لبنان سنة 1982م؛ ليكرس دور قيادة المنظمة في عملية التسوية التي أدت إلى أوسلو سنة 1993م.
وكانت المقاومة المسلحة تتضاءل ما بين 1982-1987، بينما كان العمل الدبلوماسي يتحول إلى العمل الرئيسي، وأهملت كل أشكال العمل السياسي والشعبي والنقابي.
وفي الوقت الذي كان فيه خط التنازل يغطي كل ما عداه، ودوائر المنظمة وأجهزة الفصائل تترهل؛ برزت ظاهرتان جديدتان:
الأولى انفجار الانتفاضة في 8/12/1987م، واندفاع العمل الشعبي في الداخل إلى المقدمة؛ ليجدد شباب المقاومة وكل فعالياتها.
الثانية: انتقال حركة المقاومة الإسلامية حماس من التعبئة إلى العمل.
وقد سارعت قيادة المنظمة وقيادات الفصائل إلى إحكام الطوق حول الانتفاضة، وإخضاعها لبرنامج المنظمة الرسمية شيئًا فشيئًا، أما حركة المقاومة الإسلامية فإنها ما تزال مستمرة في عملها السياسي والعسكري؛ لتصبح فصيل المقاومة المسلحة الأول، وليصبح دور الفصائل المؤسسة والمشاركة في قيادة "م.ت.ف" ثانويًّا جدًّا، ولتبرز إلى جانب "حماس"؛ حركة الجهاد الإسلامي.
إعداد: آسية لوزي
حماة الأقصى
















تونس - في الكون أرض .. في الأرض فلسط...
في الكون أرض .. في الأرض فلسطين .. ف...