
منذ أكثر من مائة عام، حسم الشعب الفلسطيني خياراته السياسية لصالح المقاومة ورد العدوان، فمنذ بدء الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين، والشعب الفلسطيني يستشعر الخطر الداهم، كما استشعره المسلمون والعرب المجاورون، فقد جاءه غرباء هذه المرة ليسوا سائحين أو زوارا عابرين، ولا هم جيش احتلال يقيم الحاميات ويصدر الأوامر، بل سرب من المهاجرين، لديه مشروع سياسي خبيث، لا يقوم إلا باحتلال الأرض وطرد الشعب.
فالسلطان عبد الحميد الثاني الذي كان قد فطن إلى المخطط الصهيوني، لم يدخر جهدا في إصدار القوانين والتشريعات التي تنص على منع اليهود من الهجرة إلى فلسطين والإقامة بها، كما عمد إلى إخراج اليهود البريطانيين من أرض فلسطين، واتخذ مجموعة من التدابير الصارمة حيال ذلك، ولكن نظرا لضعف الدولة العثمانية من جهة، وازدياد تآمر الدول الاستعمارية من جهة أخرى، إضافة إلى تغلغل الحركة الصهيونية في أجهزة الدولة العثمانية، فقد كانت تلك القوانين والتشريعات تقابل بالمعارضة والمحاربة والتحدي من قبل تلك الدول التي كانت تعمل جاهدة على ترسيخ المشروع الصهيوني الاستعماري.
ولم يقف الفلسطينيون موقف المتفرج من هذه الهجمة الاستعمارية الشرسة على بلادهم، بل قاموا يقاومونها بالقوة تارة وبالاحتجاج تارة أخرى، وكانوا دائما يلقون تجاوبا مع السلطان الذي كان يسارع إلى تلبية طلباتهم بسن القوانين ومنع الهجرة واستبدال الموظفين المتواطئين مع الدول الاستعمارية, فصمم الفلسطينيون على التصدي لهذه الهجرة والمخططات الصهيونية، ففي ماي من عام 1890م قدم وفد من وجهاء القدس عريضة احتجاج إلى الصدر الأعظم، ضد متصرف القدس (رشاد باشا) الذي أيدى تحيزا للصهاينة، وعادوا في عام 1891 فأرسلوا إلى الصدر الأعظم في الاستانة احتجاجا طالبوا فيه بإصدار فرمان يمنع هجرة اليهود ويحرم استيطانهم واستملاكهم للأراضي الفلسطينية, كما تصدوا لعملية بيع الأراضي التي كان يقف وراءها سفراء الدول الأجنبية بتواطؤ مع الموظفين العثمانيين هناك.
وكان انعقاد مؤتمر (بال) عام 1897م مقدمة لتأجيج المشاعر العربية والإسلامية؛ إذ وضع هذا المؤتمر الصهيوني القضية الفلسطينية في بؤرة القلق العربي والإسلامي.
ويعتبر الهجوم الذي شنَّه الأهالي عام 1898م على مستوطنة أقيمت في منطقة (جرش)، أول عمل عسكري ضد الوجود الصهيوني، وشهد عام 1900م حملة ضخمة لجمع التوقيعات على عرائض تمنع بيع الأراضي للمهاجرين اليهود.
وتنوعت مظاهر المقاومة في تلك الفترة، فأنشئت الجمعيات والأحزاب التي وضعت مقاومة الهجرة اليهودية على رأس برامجها، واختصت بعض هذه الجمعيات في المقاومة الاقتصادية عن طريق تشجيع الاقتصاد الفلسطيني، وشراء الأراضي المهددة بالانتقال إلى اليهود، في حين اهتم بعضها الآخر بالجوانب السياسية، وعقد المؤتمرات الجماهيرية، وتنظيم المظاهرات، والقيام بهجمات على المستوطنات الصهيونية.
ومنذ صدور وعد "بلفور" عام 1917م، اتخذت المقاومة أشكالاً أكثر شمولاً وأكثر عنفًا، وكثرت المؤتمرات الشعبية، خاصةً بعد عقد المؤتمر الإسلامي الأول عام 1919م، واقد اتخذت المقاومة في هذه الفترة الأشكال التالية:
1 - المؤتمرات:
إذ عقدت القيادات والوجهاء في الفترة (1919م- 1929م) أكثر من سبعة مؤتمرات، كان هدفها تعبئة الشعب لمقاومة المشروع الصهيوني، والتأكيد على الاستقلال ضمن الوحدة العربية.
2 - المظاهرات:
واكتسبت المظاهرات التي اندلعت طابع العنف، وتخللتها اصطدامات مع الجنود البريطانيين، الذين اعتبرهم الشعب الفلسطيني مسؤولين عن الوجود الصهيوني والهجرة اليهودية التي لا تتوقف، وكانت أهم تلك المظاهرات في أعوام: 1920م، و1921م، و1923م، و1924م.
3- المشاريع الاقتصادية:
اتجهت القيادات العربية إلى النشاطات الاقتصادية لمواجهة نشاط الحركة الصهيونية، فعقدت سنة 1923م مؤتمرًا اقتصاديًّا، وكان من قراراته مقاطعة مشروع روتنبرج (شركة كهرباء فلسطين المحدودة)، كما أنشئ سنة 1929م صندوق الأمة، وهو مشروع الحركة الوطنية لمجابهة مشكلة بيع الأراضي.
4- الثورات:
وفي هذه الفترة أيضًا اندلعت عدة ثورات في فلسطين ضد الاحتلال البريطاني وضد الحركة الصهيونية، أهمها:
أ- ثورة (يافا) 1919م:
في 11 من مايو 1919م، ونتيجةً لازدياد أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، قام العرب الفلسطينيون بمهاجمة مركز الهجرة الصهيونية في (يافا)، لكن بريطانيا وقفت إلى جانب اليهود.
ب- ثورة 1920م:
وقد اندلعت احتجاجًا على وعد "بلفور"، وبدأت أحداثها في القدس، ثم امتدت إلى مختلف المدن الفلسطينية. وعلى الرغم من منع السلطات البريطانية للمظاهرات، فإنّ الفلسطينيين اعتادوا أن يستغلوا المناسبات الدينية، وخاصة موسم النبي "موسى"، ففي شهر إبريل 1920م احتفل الفلسطينيون كعادتهم بهذه المناسبة، وألقى عدد من وجهاء الحركة الوطنية خطابات حماسية، كان من أهمها: خطابات الحاج "أمين الحسيني"، و"موسى كاظم الحسيني"، و"عارف العارف"، وبعدها سارت جموع حاشدة في مظاهرات صاخبة، طافت شوارع القدس وهي رافعة صورة "فيصل بن الحسين" بصفته ملكًا لسوريا وفلسطين.
وحينما وصلت المظاهرة باب (يافا) في القدس وقع انفجار قوي، تبعه قذف الحوانيت اليهودية بالحجارة، واشتبك المتظاهرون مع اليهود، ثم مع الإنجليز الذين هرعوا لحمايتهم، وكانت تلك الأحداث بداية الهبة الشعبية التي استمرت أسبوعًا، لم تستطع السلطات البريطانية إخمادها رغم إعلان الأحكام العرفية، وترجع أهمية ثورة 1920م إلى كونها بداية الانتفاضات الشعبية الكبرى على الوجود البريطاني والتغلغل الصهيوني منذ العشرينيات من القرن العشرين وحتى الآن.
جـ- ثورة 1929م:
وشهد عام 1929م مظاهرةً عنيفة، اشتبك فيها المسلمون مع الصهاينة، الذين أرادوا اقتحام المسجد الأقصى وإقامة احتفالات دينية عند حائط البراق، وأسفرت تلك المظاهرات عن إنشاء جمعية حراسة المسجد الأقصى، التي انتشرت فروعها في معظم المدن الفلسطينية.
دفع ازدياد الهجرة اليهودية بين عامين 1931م و1936م، وتدفق السلاح على الجماعات اليهودية، وسماح السلطات الانتداب لهم بإنشاء معسكرات للتدريب قادة الحركة الوطنية الفلسطينية إلى عقد عدة اجتماعات قرروا فيها إعلان "الإضراب العام" من أجل دفع بريطانيا لوقف الهجرات اليهودية ومنح فلسطين الاستقلال، ورغم لجوء بريطانيا إلى أساليب وحشية إلا أن الإضراب استمر وتميز كأكبر إضراب في تاريخ فلسطين، وربما في تاريخ نضال الشعوب؛ حيث امتد لمدة ستة أشهر، وفي هذه الأثناء تكونت خلايا مسلحة تعمل تحت قيادة الشيخ "عز الدين القسام" لكن اكتشفت القوات البريطانية مكان اختبائه فحاصرته وطالبته بالاستسلام، لكنه رفض واشتبك مع تلك القوات حتى سقط هو وأتباعه المحاصرون شهداء، وزاد من لهيب المشاعر الفلسطينية رفض المندوب السامي البريطاني مطالب قادة الحركة الوطنية بوقف الهجرة اليهودية وتشكيل حكومة وطنية ومنع انتقال الأراضي لليهود، فاشتعل بذلك فتيل ثورة 1936م. وما إن عَمّ الإضراب فلسطين، حتى انفجرت الثورة المسلحة وعادت جماعة القسَّام إلى الميدان. وكان الهدف من الإضراب شل الحياة السياسية والاقتصادية. أما الثورة المسلحة فقد استهدفت إثارة الذعر في المعسكرات البريطانية والتجمعات الصهيونية، وتخريب ما أمكن تخريبه من المرافق والمصالح البريطانية والصهيونية.
(يتبع)
إعداد: آسية لوزي
حماة الأقصى
















تونس - في الكون أرض .. في الأرض فلسط...
في الكون أرض .. في الأرض فلسطين .. ف...